|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

فاتن نور
2025 / 11 / 21
(عن أزمة التخطيط العمراني في العراق)
كثيرة هي المفاهيم الملتبسة في الواقع العراقي؛ من الديمقراطية والوطنية إلى الأغلبية السياسية التي تحولت بفعل الجهل إلى أغلبية طائفية، ومن الأعياد الوطنية التي مُسخت إلى أعياد طائفية، إلى مفهوم الدين وطبيعة علاقته بالمجتمع. لقد عُبث بهذه المفاهيم حتى تراجعت عن مكانتها الحضارية وانحدرت إلى أطر رجعية تجاوزها الزمن.
وفي هذا السياق، يتصدر التخطيط العمراني وتحديث المدن قائمة المفاهيم التي خلّفت تلوثاً حضارياً وبصرياً واضحاً، إذ أُهدرت أموال طائلة بعشوائية لم تعبأ بالبنى التحتية ولا بمبادئ التخطيط التي تُعنى أساساّ براحة الإنسان ورفاهيته.
من بعيد، بدا المبنى أشبه بملهى ليلي بواجهته المضيئة وشاشاته الإعلانية البراقة، ناهيك عن موقعه الملاصق لشارع رئيسي مكتظ. لكن المفاجأة أنه مستشفى شُيّد في موقع لا ينسجم مع وظيفته، ففاقم الزحامات بدل أن يخدم الناس، كغيره من منشآت احتلت التقاطعات والشوارع الرئيسية خارج أي رؤية حضرية.
وهنا يبرز السؤال: هل تحول التخطيط العمراني إلى فوضى بصرية تتأرجح بين الاستعراض الضوئي والتهميش البشري؟ وكيف أصبحت المباني مرايا تكشف تدهور الذائقة الجمالية وهشاشة الهوية المعمارية؟
ومن المسؤول عن غياب رؤية وطنية واستراتيجية عمرانية شاملة تحدد هوية المدن وتوجه نموها؟
لقد أصبح البناء فعلاً تجارياً وسياسياً لا عمرانياً، وانعكس غياب الوعي الجمالي والوظيفي على المشهد الحضري برمته. والعراق اليوم بحاجة إلى مرجعيات حضرية ومعمارية تعيد للأمكنة هيبتها وتمنح الإنسان انسيابية وراحة في حياته اليومية.
تكمن الأزمة في القرارات المرتجلة والمشاريع العشوائية الناتجة عن تضارب صلاحيات البلديات وهيئات الاستثمار والدوائر الهندسية، ضمن دولة مثقلة بالمحاصصة التي مكّنت غير المختصين من توجيه القرار. كما أن مفهوم “المدينة” يبدو غائباً عن وعي الكثير من الساسة الذين يرونها مجرد كتل إسمنتية محاصرة بالشاشات الإعلانية واليافطات التي تقتل ملامحها الأصلية.
فقدان البوصلة التخطيطية يعود لغياب التنسيق وتقديم المصالح التجارية على المبادئ العمرانية والصحية، فنتجت مدن مزدحمة وملوثة بصرياً وصوتياً، يختلط فيها الارتجال الاستعراضي بالوظيفة الإنسانية المفقودة. ولهذا صرنا نرى مستشفيات ومدارس أقرب إلى مراكز تجارية رخيصة، تعكس ذائقة المستثمرين لا حاجات المجتمع.
وتفاقمت الفوضى بسبب عجز الدولة عن تطبيق المسافات المعيارية بين المرافق الحضرية والشوارع والتقاطعات، وغياب أساسيات الخدمة كالمداخل والمواقف.
إن حلّ الأزمة ليس في مشاريع جديدة براقة دون دراسة مستفيضة، بل في رؤية حضارية متكاملة تنطلق من الإنسان وتعود إليه. فالتخطيط فعل أخلاقي ومعرفي يعكس وعي المجتمع بذاته، ولا يمكننا خلاف ذلك الحديث عن حضارة عمرانية وسط هذا التخبط والاستهتار العمراني الذي يهدد راحة الإنسان وحقه في مدن سليمة حضارياّ، خالية من التلوث العمراني، تيسّر له الحياة ولا تعسرّها.
November 20, 2025
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |