ذاكرة الجوع وابتكارات البقاء: سردية من بكين

مظهر محمد صالح
2025 / 11 / 19

(البيئة صانعة للذائقة وثقافة الاستهلاك)
قد يبدو سوق المشويات التقليدية في بكين، للوهلة الأولى، مجرد زقاق شعبي مكتظ بروائح الفحم وازدحام السياح، غير أن ما يقدّمه هذا الفضاء من صورٍ متلاحقة يكشف عن طبقة أعمق من المعنى ، طبقة تتجاوز الطعام ذاته لتلامس مفاهيم الثقافة والبيئة والهوية وطرق التكيّف البشري مع موارد الطبيعة.

لم تكن تجربتي في هذا السوق مجرد زيارة سياحية، بل كانت نافذة على فلسفة كاملة في الاستهلاك تشكلت عبر قرون من محاولات الإنسان الصيني في الحفاظ على توازنه الغذائي وسط بيئة كثيفة السكان وشحيحة الموارد مقارنة بحجم الحاجة. وما لفت نظري قبل كل شيء تلك اللافتات المنتشرة على طول الزقاق: “ممنوع التصوير” ، عبارة تثير التساؤل وتشي بأن ما يُقدَّم للعيون هنا ليس مجرد طعام، بل جزء من تراث يوميّ يراد حمايته من أن يُختزل في لقطة عابرة أو يُحوّل إلى غرائبية مستهلكة.
ومع التوغل في أعماق السوق، تتدرج المعروضات من الأسياخ المألوفة (الدجاج ولحوم الخنازير والعجول ) إلى عالم آخر تُقدَّم فيه (الثعابين والحشرات وديدان الأرض ) كوجبات طبيعية، بعضها للذوّاقين وبعضها لحاجة تاريخية كانت تُلزم السكان باستخلاص البروتين من كل ما تمنحه الطبيعة. هنا تتحول موائد الطعام إلى مرآة لبيئة تصوغ عادات الناس أكثر مما يصوغونها هم.
هذا المشهد أعاد إلى ذاكرتي حديثًا قديماً مع زميل صيني خلال سنوات الدراسة في ويلز. كان يقول بهدوء العارف:
الصين لا تتحمل الجوع… لذا نأكل ما تخلقه الطبيعة. كل ما هو من خلق الله يصلح أن يكون غذاءً،
كان يهمس لي يومها بأن حساء أظافر الدجاج المقددة تعد من أطيب الأطعمة في بلاده. ومع مرور الزمن أدركت أن كلامه لم يكن مجرد وصف لطبق شعبي، بل كان مفتاحًا لفهم ثقافة كاملة.
فالبيئة في جوهرها، لم تكن يومًا مجرد خلفية جغرافية، إنها مكون أساسي في هندسة الذائقة وشكل الاستهلاك. وهي التي جعلت سكان بكين يطوّرون مطابخ تستوعب كل ما يقدّمه المحيط، تمامًا كما جعلت البدو في صحارى العرب يطاردون الجراد في مواسم الربيع ويقددونه غذاءً لأيام العوز. في الحالتين، ليست شهية الطعام هي التي تحدد خيارات الإنسان، بل حاجته إلى البقاء وتقاليده المتوارثة في إدارة الندرة أو الوفرة.
إن ما يبدو غريبًا لنا ،كالحشرات المشوية أو ديدان الأرض ، ليس غريبًا في بيئة نشأت على مبدأ “استثمار كل ما تمنحه الطبيعة”تمامًا كما ليست أطباقنا الشعبية مفهومة لشعوب أخرى لا تعرف سياقات نشأتها. فالغذاء ليس مجرد قيمة غذائية، بل قيمة ثقافية تحمل تاريخًا من المحن والاحتياجات والتحولات.
ما تعلمته في سوق بكين ليس عن الطعام فقط، بل عن الإنسان.
فالثقافة ليست ترفًا، بل هي آلية بقاء.
والبيئة ليست محيطًا صامتًا، بل مهندسًا خفيًا يعيد تشكيل الذائقة وطقوس الأكل وأنماط الاستهلاك. ومن يقرأ عادات الشعوب الغذائية قراءة معرفية يدرك أن الهوية ليست في ما نأكل فحسب، بل في الأسباب التي جعلتنا نأكله.
لذلك، فلا عجب في اعماق السوق …!
فالعجب يولد فقط حين نتجاهل أن لكل أرضٍ تاريخها، ولكل شعبٍ طريقته الخاصة في التعايش مع الطبيعة، وللتنوع البشري ذاته حكاية تستحق الإصغاء.
( انتهى)

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي