|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مهند طلال الاخرس
2025 / 11 / 16
دلالات العنوان في كتاب خطوات صغيرة في بلاد كبيرة لمهند الأخرس ، قراءة بقلم: مصطفى القرنه
يعد كتاب «خطوات صغيرة في بلاد كبيرة» للكاتب مهند الأخرس من أبرز الإسهامات الحديثة في أدب الرحلات العربي، إذ يجمع بين متعة الوصف ودقة الملاحظة وعمق الرؤية الإنسانية. لا يقدّم الأخرس مجرد مشاهدات عابرة من زيارته إلى الجزائر، بل ينسج من الرحلة تجربة فكرية وروحية تكشف عن فلسفة في النظر إلى المكان والإنسان والعالم. ومن أهم مفاتيح قراءة هذا العمل عنوانه اللافت الذي يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل في طياته دلالات عميقة تمثل جوهر الكتاب كله.
بين صِغَر الخطوات وكِبَر البلاد
يستوقف القارئ أولًا التباين الظاهر بين كلمتي العنوان: الخطوات الصغيرة والبلاد الكبيرة. هذا التناقض الظاهري بين الصغر والكبر يفتح أفقًا تأويليًا واسعًا، إذ يعكس رؤية الكاتب إلى الرحلة بوصفها سلسلة من التجارب البسيطة المتراكمة التي تكشف اتساع العالم وتعقيداته. فالكاتب لا يسعى إلى الإحاطة الشاملة بكل ما في الجزائر، بل يكتفي بتتبّع التفاصيل الصغيرة التي تُعبّر عن روح المكان. ومن خلال هذه الخطوات الهادئة والمتأنية، ينجح في رسم صورة غنية ومتنوعة للبلاد الكبيرة.
تشير الخطوات الصغيرة هنا إلى التواضع في المعرفة والسعي المتدرّج نحو الفهم، فهي ترمز إلى الوعي الإنساني الذي يتشكل عبر الملاحظة والتأمل والتجربة. أما البلاد الكبيرة فترمز إلى الجزائر بكل اتساعها الجغرافي وتاريخها العميق وتنوعها الثقافي. ومن تفاعل هذين البعدين — الفردي والإنساني من جهة، والجماعي والحضاري من جهة أخرى — يولد المعنى الجوهري للرحلة عند مهند الأخرس.
البعد الداخلي للرحلة
لا تقتصر “الخطوات الصغيرة” على بعدها المكاني أو الجغرافي، بل تمتد إلى الداخل، إلى رحلة الكاتب في أعماق ذاته. فكل خطوة يخطوها في أرض الجزائر تقابلها خطوة أخرى في عالمه الداخلي، حيث تتقاطع التجربة المكانية مع التجربة النفسية. بهذا المعنى، يصبح السفر في كتاب الأخرس مزدوج الاتجاه: إلى الخارج نحو المكان، وإلى الداخل نحو الذات. ومن هنا يكتسب النص طابعًا إنسانيًا خاصًا يجعله أقرب إلى تأمل فلسفي في معنى الوجود والانتماء.
تجليات العنوان في فصول الكتاب
تتجسد دلالات العنوان في الأبواب التي يتضمنها الكتاب، إذ تحمل كل منها وجهًا من وجوه العلاقة بين الإنسان والمكان.
في باب «في المكتبة الوطنية الجزائرية»، تبدو الخطوة الصغيرة فعل دخول إلى فضاء ثقافي يمثل ذاكرة الأمة. فالمكتبة هنا ليست مجرد مبنى، بل رمز للهوية والمعرفة. إنها خطوة متواضعة نحو فهم كبير للتاريخ والثقافة.
وفي باب «الأيقونة والرمز جميلة بوحيرد»، يتجلّى المعنى الوطني للرحلة؛ إذ تتحول جميلة بوحيرد إلى رمز للبطولة والصمود، وتجسد “البلاد الكبيرة” في أبهى صورها: الجزائر التي صنعت مجدها بالتضحيات. تأمل الكاتب في هذه الشخصية يكشف كيف يمكن لتجربة فردية أن تختصر تاريخًا جماعيًا زاخرًا.
أما في «صلاة العشاء في ساحة الشهداء»، فيرتقي الكاتب إلى البعد الروحي للرحلة. الصلاة في هذا المكان المهيب تمثل لحظة صفاء وطمأنينة، وخطوة صغيرة نحو السكينة في فضاء كبير يختزن ذاكرة الشهداء والمقاومين. هنا تتحد الروح بالمكان في تجربة وجدانية عميقة.
ويستمر الاحتفاء بالهوية في باب «اللباس التقليدي»، حيث تتحول الملاحظة البسيطة إلى تأمل في جماليات التراث الجزائري. فكل قطعة قماش وكل لون تحمل ذاكرة وثقافة، والكاتب يقرأ هذه الرموز بعين المتذوق الحساس الذي يرى في المظهر الشعبي مرآة لروح الأمة.
أما باب «الشخشوخة أكلة جزائرية» فيكشف الجانب الشعبي والإنساني للرحلة. فالطعام هنا يصبح لغة للتواصل، وجسرًا ثقافيًا يربط بين الضيف وأهل البلاد. إنها “خطوة صغيرة” نحو اكتشاف كرم الناس وبساطتهم، لكنها تفتح بابًا واسعًا لفهم الحياة اليومية وروح المجتمع.
وأخيرًا، في باب «في الرحيل»، يغلق الكاتب دائرة التجربة، ليكتشف أن الرحلة لا تنتهي بالعودة الجسدية، بل تترك أثرها في الوعي والوجدان. الرحيل هنا ليس وداعًا للمكان، بل بداية جديدة للمعرفة والتأمل. إنها آخر الخطوات الصغيرة التي تفتح أبواب البلاد الكبيرة في داخل الإنسان.
يبرع مهند الأخرس في المزج بين الوصف الأدبي والتحليل التأملي، فيمنح نصه عمقًا وجمالًا معًا. لغته تتسم بالبساطة والصفاء، لكنها في الوقت ذاته محمّلة بالدلالات والإيحاءات. والعنوان، بهذا المعنى، ليس مجرد تسمية بل مفتاح لقراءة الكتاب كله؛ فهو دعوة إلى قراءة متأنية، بخطوات صغيرة، تكشف عظمة التفاصيل التي تتوارى خلف المشهد العام.
يقدّم كتاب «خطوات صغيرة في بلاد كبيرة» تجربة أدبية وإنسانية غنية، تُعيد تعريف معنى الرحلة بوصفها سعيًا نحو الفهم لا الغلبة، ونحو التأمل لا الاستعراض. فمهند الأخرس يُذكّر القارئ بأن اكتشاف العالم لا يحتاج إلى خطوات عملاقة، بل إلى قلب مفتوح وعين تلتقط الجمال في الأشياء الصغيرة. وهكذا يصبح العنوان أكثر من مجرد عبارة؛ إنه خلاصة فلسفة كاملة ترى في الخطوات الصغيرة طريقًا إلى إدراك عظمة البلاد الكبيرة، أي عظمة الإنسان في مواجهة اتساع العالم.
بقلم مصطفى القرنه
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |