عفيفة إسكندر وشهد الراوي

كرم نعمة
2025 / 11 / 14

لمَ الاستغراب عندما يكون اسم الفنانة عفيفة إسكندر والروائية شهد الراوي بين إطار واحد لصورة عراقٍ لا يحتمل أن تغني المرأة الجميلة أو تكتب؟
بين صوتٍ طُرد من باب الاعتراف من الوهلة الأولى لأنه جميل، ونصٍ يُقصى من النقد لأنه مكتوب بأنوثة لا تعتذر، تتقاطع تجربتان نسائيتان في تاريخ العراق الحديث: عفيفة إسكندر، التي غنّت قبل أن تُسمع، وشهد الراوي، التي كتبت قبل أن تُقرأ بعين عراقية منصفة. كلاهما واجهتا التهمة ذاتها: أن تكوني امرأة وتنتجين المعنى، فذلك جريمة لا تُغتفر في عين الذائقة النقدية الذكورية العراقية.
في أربعينيات القرن الماضي، لم يكن يُنظر إلى عفيفة كصوت، بل كجمال زائد عن الحاجة. الموسيقار العراقي صالح الكويتي تردد في التلحين لها. لم يكن السبب ضعفًا في الأداء، بل ارتباكًا في مواجهة امرأة لا تُغني كضحية، بل ككائن مكتمل التعبير. ولم تحصل منه إلا على أغنية واحدة قبل هجرته إلى إسرائيل، بينما صبّ كل أوجاع وتساؤلات السنين آنذاك في صوتي سليمة مراد وزكية جورج.
قرأت كل ما كتبت شهد الراوي وهي تمسك بقلم غض لكنه آسر يثير الشغف والألم والتساؤل حتى في مقالاتها الصحافية، وبانتظار روايتها الثالثة، وأنا أتذكر كيف طردتني عفيفة إسكندر من باب منزلها في بغداد بأوج اعتزالها وعزلتها، أنا القادم إليها على جناح الشغف الصحافي أحمل اسئلتي عن سر الصورة التي جمعتها بعلي الوردي وكيف كانت تتحسس أوجاع ألحان خزعل مهدي وأحمد الخليل. لم تكن ترفضني كصحفي آنذاك، بل كانت ترفض زمنًا لم يعد يرى فيها سوى ماضٍ مستهلك.
لقد انهمرت الجمل الموسيقية أمام صوتها، لكن لم يُسأل عنها عندما غابت فجأة. اعتراف الذاكرة العراقية بها جاء بعد أن صمتت، بينما إذاعة بغداد لم تفرّط بأغانيها في كل أزمانها. كما لو أن العراق لا يسمع المرأة إلا حين تسكت.
لغة شهد الراوي لم تخرج من مقاهي البرلمان، وحسن عجمي، والبرازيلية، ولم تمارس دور الضحية، السمة المعبرة عن الأدب العراقي عندما يتعلق الأمر بالسياسة، بل خرجت من طوق الحصار الأعمى والجوع والاحتلال، لجيلٍ حاول أن يُعرّف نفسه بينما العالم يخذل العراقيين برمتهم.
كتبت شهد "ساعة بغداد" كقوس قزح ظهر فجأة في سماء النص السردي، بلغة دانتيلية بما يكفي، مترعة بالدهشة، لا تشبه نحيب ومراثي القرى. وصلت روايتها إلى البوكر، تُرجمت إلى ثماني لغات، لكن النقد العراقي لم يرَ فيها سوى "كاتبة لا تشبه الأدباء العراقيين"!
هكذا لم يكن بوسع عراقي واحد أن يملأ صدره بالهواء ويصرخ بكل قواه "حرية"، ذلك أن ضجيج مرور الدبابات الأميركية كان سيحول دون أن يسمعه أحد. زمن الحرية بمعناها السياسي، أي التخلص من المحتلين، لم يعد يُرى كفكرة وطنية، بل تحوّل في عالمنا الحديث إلى مادة للأفلام التاريخية، وفق ما خاطبت شهد عام 2018 قراءها من جمهور معرض إدنبرة الدولي للكتاب، بلغة إنجليزية قادمة من بغداد المدينة التي تعيش زمنها التاريخي الشاذ وما زالت. الحرية نفسها أصبحت معاني جديدة في حياة شهد، وهي تكتب رواية وجدتها تسكن في داخلها، لا تحتاج إلى تلك الصرخة. كان عليها أن تكتب وتراوغ الميليشيات الجديدة التي أطلقها الاحتلال.
في تلك الكلمة الرائعة، ذكّرت شهد الراوي جمهور مهرجان إدنبرة بالجملة التاريخية لإشعيا برلين فيلسوف مارغريت تاتشر المفضل الذي اتخذته مستشارا: "حرية الذئاب تعني موت الأغنام". وهي بهذا المعنى، حرية لا تحيل إلى معنى متعالٍ وجوهري عند العراقيين بعد احتلال بلادهم، بل حرية الحاجة إلى توضيح.
وفي "فوق جسر الجمهورية"، كتبت شهد مرثية وطنية لا تطلب تعاطفًا، بل تفرض احترامًا. الأم تتحول إلى صندوق عظام بعد أن تموت في المغترب، وترفض الذاكرة الحية إلا أن يُدفن هذا الصندوق في الأعظمية. وداليا، إحدى شخوص الرواية، تصعد روحها في تفجير فوق جسر الجمهورية، ولا يُعثر على شيء من جثمانها، فتترك ذكرى وجع موتها ندية في ذاكرة البطلة، أو ذاكرة شهد نفسها. هذا النص لا يندب، بل يُفكك الخراب، وهذا ما لا يحتمله النقد.
لأن العراق المزيف لم يتصالح مع فكرة المرأة كمنتجة للمعنى. يريدها جميلة، أو حزينة، أو صامتة، أو تنحب مع الجموع صوب الخرافة التاريخية. أما أن تغني مثل عفيفة، أو تكتب مثل شهد، فهذا يهدد سردية الأدب الذي يحتكر التعبير كي يمارس دور المظلومية الفاقد لتأثيره في العرض السياسي المستمر.
ولأن الجمال واللغة حين يجتمعان في امرأة، يُنظر إليهما كزيف، لا كفن. وهذا ما واجهته عفيفة، وما تواجهه شهد.
الصورة الافتراضية التي جمعت فيها عفيفة بشهد: إطار واحد لزمنين مرفوضين. وأن تضع تلك الصورة في إطار واحد، ليس فعل حنين، بل فعل مقاومة. مقاومة لذائقة لا تزال ترى في المرأة مرآة، لا مرآة مقلوبة. لأن المرآة المقلوبة لا تُجمّل، بل تُفكك الصورة وتعيد تركيبها، وهذا ما لا تحتمله الذائقة السائدة.
الاثنتان تمثلان العراق الذي يُقصى لأنه لا يصرخ، بل يغني ويكتب. العراق الذي لا يُعرّف بالخراب، بل بعفيفة قارورة الورد وشهد دانتيل اللغة.
المثير للسعادة أن العالم العربي يحتفي اليوم بشهد الراوي كصوت عراقي حقيقي وسط المشهد الاجتماعي والسياسي الرث والصراخ الطائفي والعويل، بينما يجد النقد العراقي، بشكل مؤسف، في نصها الروائي أنه لا يمثل سوى مدينة الأعظمية، مسرح روايتها الثانية!
في زمن العراق المزيف، تبدو الحاجة إلى عفيفة وشهد أكثر إلحاحًا. فهما تمثلان الوجه النسوي للعراق الذي قاوم التهميش بالجمال والمعنى، لا بالصراخ ولا بالادعاء. إنهما ليستا رمزين، بل فضيحتين معلقتين في وجه نقدٍ لا يزال يخاف من المرأة حين تنتج المعنى.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي