|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

كرم نعمة
2025 / 11 / 10
في العراق، لا تُقاس المواقف بالبرامج، بل بالمفردات. وفي بلدٍ أُعيد تشكيله بعد 2003 على أساس المحاصصة، باتت الكلمات مفاتيح لفهم المشاريع، لا النوايا. من هنا، يصبح من المشروع أن نسأل: كم مرة قال عمار الحكيم "شيعة"؟ وكم مرة قال "عراق"؟ وما الذي يعنيه أن يكون محمد الحلبوسي معادلًا طائفيًا لا سياسيًا لعمار الحكيم؟ بينما يتصاعد الصوت الطائفي قبيل الانتخابات البرلمانية المقبلة في الحادي عشر من تشرين الثاني الحالي.
من البساطة بمكان تفكيك المعادلة التي بُنيت عليها العملية السياسية في العراق، حيث لا يُنتخب السياسي لتمثيل وطن، بل لتكملة معادلة مذهبية فرضتها الحاجة، لا القناعة.
أنا محظوظ. لأن خوارزميات الذكاء الاصطناعي لا تكلّ عن العد. عدّ الكلمات، وعدّ الغايات. وهي تساعدني في جرد خطب عمار الحكيم، وكم مرة تتكرر مفردة "الشيعة" كما لو كانت مفتاحًا سحريًا لفهم كل شيء. أما "العراق"، فحاضرٌ على استحياء، كأن الوطن لا يُذكر إلا هامشا للطائفة.
هل يمكن لسياسي أن يُعرّف نفسه بمذهب؟ هل يُبنى المشروع السياسي على خوف الأقلية واسطورة المظلومية؟ الحكيم لا يعتذر عن ذلك. هو ابن مدرسة مذهبية، نشأ في إيران، وتربّى على أن الولاء لا يُمنح للوطن بل للمذهب. في خطبة له قال: "نحن فخورون بانتمائنا الشيعي، وعلينا أن نحميه من التهميش." لكن من يُهمّش من؟ ومن يُبنى على من؟
في المقابل، محمد الحلبوسي لم يولد في حضن طائفي. لكنه وُجد. وُجد كحاجة، لا كخيار. حاجة أحزاب إيران في العراق إلى معادل سني، لا ليُمثل، بل ليُوازن. وهكذا، أصبح الحلبوسي معادلًا طائفيًا، لا سياسيًا. وغاب العراق عند الاثنين.
هنا نستعير من ت. س. إليوت مفهوم "المعادل الموضوعي"، ونستبدله بـ"المعادل الطائفي". فإليوت يرى أن العاطفة لا تُفهم إلا من خلال ما يُقابلها خارجيًا. وفي العراق، الطائفة هي العاطفة، والسياسي هو المقابل.
لكن هل هذا تمثيل؟ أم تبادل أدوار في مسرحية طائفية رثة وخيال سياسي مكشوف؟ هل يمكن للهوية الوطنية أن تكون آخر ما يُذكر في خطاب سياسي؟
في تقرير للمعهد الملكي البريطاني "تشتام هاوس"، أكد على أن "الانتخابات العراقية لا تُغيّر شيئًا، بل تُعيد توزيع السلطة بين نخب طائفية اعتادت تقاسم الدولة."
وفي تحليل للمجلس الأطلسي يؤكد على أن الخطاب السياسي في العراق لا يزال يُدار على خطوط مذهبية، رغم كل محاولات الإصلاح.
الحكيم يُكرر "شيعة"، والحلبوسي يُكرر "سنة"، وكلاهما ينسى "العراق". هل هذا نسيان؟ أم إلغاء متعمد؟ هل يمكن لوطن أن يُبنى على معادلة طائفية؟ أم أن العراق يُعاد تقسيمه كل مرة يُقال فيها "نحن" بدل "الوطن"؟
العملية السياسية في العراق بعد 2003 لم تُبنَ على فكرة الدولة، بل على فكرة الهزالة الطائفية. لا أحد يُنتخب لتمثيل العراقيين، بل لتمثيل طائفته، أو لتكملة معادلة طائفة أخرى. عمار الحكيم لا يُخفي انتماءه، بل يُعلنه. والحلبوسي لا يُخفي وظيفته، بل يُؤديها.
لكن هل يمكن أن نُحاسب الحلبوسي كما نُحاسب الحكيم؟ الحكيم نشأ في بيئة مذهبية داخل إيران، قاتل أبناء بلده المفترض وضمن صفوف جيش غير جيش وطنه خلال الحرب العراقية الإيرانية، وتربّى على أن العراق فكرة غير قائمة لحساب المذهب. أما الحلبوسي، فتم اختياره. اختير ليكون معادلًا طائفيًا، لا قائدًا سياسيًا. اختير ليُوازن، لا ليُمثل.
في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن للسياسي العراقي أن يتحرر من وظيفته الطائفية؟ هل يمكن أن يُعيد تعريف نفسه خارج المعادلة؟ أم أن الطائفة أصبحت قدرًا سياسيًا لا يُكسر؟
ومع اقتراب الانتخابات في 11 تشرين الثاني، يعود السؤال: هل سيصوّت العراقيون لهويتهم؟ أم سيختارون المعادل الطائفي الذي يُشبههم أكثر مما يُشبه وطنهم؟
ربما لا يحتاج العراق إلى من يُمثله، بل إلى من ينسى تمثيله. ينسى الطائفة، ويتذكر الوطن. لكن هل يُسمح له بذلك؟ أم أن المعادلة الطائفية أصبحت قانونًا لا يُكسر، بل يُعاد إنتاجه كل أربع سنوات؟
في النهاية، لا يُقاس السياسي بعدد الأصوات، بل بعدد المرات التي قال فيها "العراق" دون أن يُتبعه باسم طائفته. وهذا ما لا تفعله الخوارزميات، لكنها تُخبرنا بما لا يُقال سواء عن الحكيم أو الحلبوسي وغيرهم من حثالات العملية السياسية في العراق المزيف الذي يعمل بكل جد على قتل العراق الحقيقي.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |