|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

إبراهيم اليوسف
2025 / 11 / 6
تُفتح الستارة على قريةٍ صغيرةٍ تحفّها التلال من الشرق والغرب.
الضوء دافئ كصباحٍ ربيعيّ، والموسيقا خافتة، نايٌ حزين يشقّ النسيم بين أشجارٍ خضراء تلمع تحت الشمس.
في عمق المسرح بيتٌ طينيّ صغير، ودجاجاتٌ تنقر الحبّ قرب بابٍ نصف مفتوح.
(علو نباحٌ من بعيد. تشتدّ الإضاءة على جهة الغرب.)
الراعي آلان:
يظهر من بين الجمهور، يصفّر بصفارته:
ـ يا كِلاب الوادي، ما لك اليوم؟ أَنَسيت أن الماء واحدٌ والظلّ واحد؟
نباحٌ آخر من الجهة الشرقية. الموسيقا تتبدّل إلى إيقاعٍ سريع. الكلاب تُرى في الظلال تركض وتدور حول نفسها. يعلو الغبار، ويرتجّ الضوء كأنّ الأرض تتنفّس خوفًا.
في مقدّمة القطيع كلب أسود أجرب،ي رأسه في كبرياءٍ و في عينيه الشررٍ.
هو أبو الفتنة، نباحه أشدّ من الريح، يحرّض كلاب الغربية على كلاب الشرقية، ويغري الجميع بالهجوم على بعضها بعضاً.
الطفل بازو يركض من بين الجمهور إلى وسط الخشبة
ـ لا تتشاجري ياكلاب! أنت كلابنا عزيزة علينا كلها تحرس قريتنا! بل كلل أو ملل
تتقافز الكلاب حوله، يدور الضوء على شكل دوّامة. يسمع صراخ امرأة من بين الجمهور
الأم ليلى:
ـ باز! ابتعد عنهنّ!
(تقترب تركض، يعلو صراخٌ آخر. تنهش إحداها ثوب الطفل. تنطفئ الإضاءة لحظة، ثم ومضة ضوء قويّة. الراعي يطلق رصاصًا في الهواء. يتوقف كلّ شيء)
صمت طويل لثوان
إضاءة خضراء خفيفة كأنها من الحقول، موسيقا نايٍ حنون
الراعي آلان يضع يده على قلبه:
ـ ما نفع النباح إذا صار حربًا؟ ما نفع الحراسة إذا صارت عضة؟
الطفل بازو ينهض، وهو مبتسم رغم الألم:
ـ أنا سامحتك، يا عمّي. الكلاب لا تعرف أنّي جئت أصلح بينهنا
الأم ليلى تمسح على رأسه
ـ من يزرع الصلح، لا تخيفه العضة.
(تعود الكلاب ببطء، أذيالها منحنية. تقترب كلبةٌ شقراء نحيفة وهي جريحة يقطر الدم من جروحها- من الجرو الأجرب- تنظر إلى الجميع بعينٍ دامعة.
أسامحه
الراعي آلان يلتفت إلى الجرو الأسود الأجرب:
ـ أنتِ كنتِ السبب في الفتنة، يا صغيرة، لكنّك أيضًا أوّل من تعبت من النباح.
الجرو الأجرب بصوت طفلة
ـ أردت أن أنتمي... لم أجد من يسمعني، فعويت.
(يقترب أحد الفلاحين من بين الجمهور، يسأل بتعجّب)
ـ ولماذا حدث كلّ هذا يا آلان؟ ما السبب؟
الراعي آلان(حدّق في البعيد، صوته متهدّج)
ـ الكلبة الجرباء عوَتْ منذرة بحرب، من دون سبب... فاستيقظت الفتنة في القلوب، وغاب العقل بين طرفي القرية
يدخل البيطار: وهو يداوي الكلاب الجريحة ويقول:
انتظرني أيها الجرو. لاتهرب مني هذه المرة سأعالج جربك وإلا فإنك ستعدي كل كلاب وسكان القرية
(يصمت الجميع. الموسيقا تتحوّل إلى نايٍ صافٍ. الإضاءة تفتح تدريجيًا حتى تعمّ القاعة)
في زاويةٍ مظلمة من المسرح، تظهر الكلبة السوداء التي بدأت الفتنة، مطرودةً من القطيع، تسير وحيدةً بين الظلال، صوتها مبحوح، ذيلها بين ساقيها، حتى يبتلعها الظلام.
صوت الناي يرتفع.. يرتفع..، الستارة تغلق ببطء.