|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد سعد خير الله
2025 / 11 / 6
منذ فترة ليست بالقصيرة، دأب أحد أصدقائي المقربين في إسرائيل على نشر تغريدات عبر حسابه في منصة X، يتحدث فيها عن الظلم الممنهج والمستمر الذي يتعرض له الكندي من أصل مصري سميح موريس بولس. وقد جعلتني تلك المنشورات المتواصلة، إلى جانب فضولي المهني ككاتب، عاجزًا عن البقاء متفرجًا صامتًا. كان عليّ أن أبحث وأتحرى وأتتبع فصول هذه القصة الدرامية حتى نهايتها. خلال أيامٍ عدّة، قرأتُ مطولًا عن مأساة سميح، التي ذكّرتني على الفور بأحد أكثر الأفلام الخالدة في ذاكرة السينما: سيربيكو (1973). وقد رُشّح الفيلم لجائزتي أوسكار (أفضل ممثل وأفضل سيناريو مقتبس)، وفاز آل باتشينو بجائزة "غولدن غلوب"، كما اختير لاحقًا ضمن قائمة معهد الفيلم الأمريكي لأعظم مئة فيلم في تاريخ السينما الأمريكية.
يروي الفيلم القصة الحقيقية للشرطي في نيويورك "فرانك سيربيكو"، الذي اكتشف منذ يومه الأول أن الفساد متغلغل في كل مستويات الشرطة: رشاوى تُدفع للتغطية على الجرائم، وأموال تُوزّع على الضباط، وأدلة تُزوّر، وشهادات زور تُختلق لتبرير جرائم الشرطة.لكن سيربيكو رفض أن يكون جزءًا من هذا النظام الفاسد. رفض الرشوة ولم يسكت على الزور، فأصبح منبوذًا داخل جهاز الشرطة، وتعرض للتهديد والمضايقة من زملائه ورؤسائه. وعندما حاول تقديم بلاغ رسمي، تآمرت الإدارة على إسكات صوته وإبعاده.
تلك الأحداث التي خلدها الفيلم، تتكرر اليوم في مشهد مختلف لا يقل مأساوية وربما أشد قسوة. وُلد سميح موريس بولس في مصر عام 1974، وعاش وتعلّم وعمل فيها حتى عام 1995، قبل أن ينتقل إلى الكويت للعمل في شركة خاصة، ثم انضم عام 2006 إلى مجموعة الملا لتجارة السيارات، حيث واجه فسادًا واسعًا داخل المؤسسة وفي تعاملاتها مع الجهات الحكومية.
بدأت الأحداث تتصاعد عندما اشترى أحد الزبائن سيارة من الشركة في أكتوبر 2007، ثم طلب في أغسطس 2008 نسخة من إيصال الملكية لتصدير السيارة، فرفضت الشركة تزويده بالوثائق وأنكرت أصلًا حدوث البيع، بحسب رواية سميح. طلبت منه الشركة أن يُدلي بشهادة زور تنفي العملية، وهددته بالفصل، وعرضت عليه رشاوى ومغريات من سيارة وترقيات ومكافآت مالية لكنه رفض بإصرار.
وبحسب روايته، اكتشف سجلات داخلية تُظهر تسجيل السيارة باسم آخرين بأسعار مخفضة، مع مؤشرات على دفع رشاوى لضابط رفيع لتسهيل الإجراءات. حينها، لفّقت له الشركة عدة تهم، وأبلغته أن كل شيء سينتهي إذا "تعاون"، لكنه ظل ثابتًا على موقفه.
كانت تلك بداية حملة انتقام طويلة: اعتقالات متكررة، احتجاز، وتعذيب بوسائل وحشية منها الصعق الكهربائي إضافة إلى تهديدات مستمرة جعلت حياته جحيمًا له ولأسرته. داهمت الشرطة منزله، وتعرضت ابنته وزوجته للضرب والإهانة. والحقيقة الجلية أن سميح استُهدف من قبل الأجهزة الأمنية لأنه رفض تزوير الحقيقة لحماية الفاسدين.
في عام 2017، اضطر هو وأسرته إلى الفرار من الكويت بعد أن منحتهم كندا اللجوء. كانت تفاصيل هروبهم في اللحظات الأخيرة أقرب إلى حبكة فيلم سينمائي. وبعد سنوات من المواجهة، استعان بمحامين، وتعاون مع منظمات قانونية، ورفع شكاوى إلى فريق الأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي في جنيف، ضمن ملف موثق من الإجراءات القانونية.
وفي نوفمبر 2022، أصدر الفريق الأممي تقريره في قضية المواطن الكندي من أصل مصري سميح موريس بولس، الذي قدّم شكوى رسمية عام 2021 بشأن احتجازه التعسفي في الكويت وتعرضه للتعذيب وسوء المعاملة. وثّق التقرير أن سميح اعتُقل إحدى عشرة مرة بين عامي 2010 و 2017 دون أوامر قضائية واضحة، وتعرض للحبس الانفرادي والتعذيب الجسدي والنفسي، وحُرم من حقه في التواصل مع محامٍ أو المثول أمام قاضٍ مختص، في انتهاك صارخ للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وللقانون الكويتي نفسه.
خلص الفريق إلى أن احتجازه كان تعسفيًا ومخالفًا للقانون الدولي، وأن السلطات الكويتية انتهكت التزاماتها بحرمانه من المحاكمة العادلة والحماية القانونية، وصنّف قضيته ضمن الفئتين الأولى والثالثة من حالات الاحتجاز التعسفي. ودعا التقرير الحكومة الكويتية إلى تعويضه بالكامل، وفتح تحقيق مستقل في مزاعم التعذيب، واتخاذ تدابير فعالة لمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات.
حتى لحظة كتابة هذا المقال، لم تنفذ الكويت أيًا من توصيات التقرير الأممي. والأسوأ أن من حاولوا مساعدة سميح تعرّضوا للانتقام، بمن فيهم نائب سابق وناشط حقوقي مستقل وممثل كويتي في وكالة تابعة للأمم المتحدة، بينما واصل المسؤولون الذين تسببوا في معاناته التمتع بالترقيات والمناصب. وتتجسد مأساة سميح في حادثة واحدة، حين قال له أحد الموظفين الذي حاول إغلاق حسابه البنكي:"نريد أن نطهّر البنك من أمثالك لأنك مسيحي."
وفي سياق أوسع، يجب النظر إلى معاناة سميح موريس بولس ضمن حملة القمع الشديدة لحقوق الإنسان في الكويت. فحكم الأمير مشعل الصباح، الذي تولى السلطة في نوفمبر 2023 بعد وفاة شقيقه، قام بتعليق الدستور وحلّ البرلمان وشن حملة قمع سياسية واسعة، في بلد يُعدّ من الأعلى عالميًا في سحب الجنسية كسلاح ضد المعارضين، إذ جُرّد أكثر من 55 ألف شخص من جنسيتهم رغم أن عدد السكان لا يتجاوز 1.6 مليون نسمة.
أما حرية التعبير فقد جرى سحقها تقريبًا بالكامل، ولم يبقَ سوى منصات مثل X كمتنفس وحيد، في ظل مراقبة مشددة واعتقالات متواصلة لكل من ينتقد سياسات النظام.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن ما عاناه سميح ليس حادثة فردية، بل جزء من منظومة أوسع من انتهاك القانون وحقوق الإنسان، تؤكدها إصرار السلطات على تجاهل تقرير الأمم المتحدة في قضيته، ما يبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة شاملة لآليات حماية الحقوق والحريات في الكويت.
ولا يزال الواقع المؤلم قائمًا: لم ينل سميح العدالة الكاملة بعد، رغم توثيق معاناته رسميًا أمام الأمم المتحدة. وكما كشف فيلم سيربيكو (1973) عن فساد الشرطة وشجاعة رجل واحد في مواجهة النظام، يعيش سميح اليوم النسخة الحديثة من تلك المعركة في سياق مختلف، لكن بروح المقاومة ذاتها. فقصته ليست مأساة شخصية فحسب، بل مرآة لفساد ممنهج وانتهاك متواصل للحقوق، تستدعي من الضمير الإنساني والقانون الدولي أن يتحرك لا من أجل سميح وحده، بل من أجل كل من يقف في وجه الفساد والاستبداد.....
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |