|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

داود السلمان
2025 / 11 / 5
يطرح السيد كمال الحيدري رؤية فكرية جريئة في قراءته لقصة آدم، تختلف عن الفهم التقليدي السائد في كثير من المدارس الدينية. فهو يرى أن آدم ليس أول مخلوق بشري على وجه الأرض، بل هو أول نبي أُرسل إلى البشر، أي أنه أول إنسان اصطفاه الله بالوحي والتكليف والتعليم الإلهي، وليس أول إنسان خُلق من العدم. هذه الفكرة تمثل نقلة في الفهم الديني لأنها تعيد النظر في طبيعة الإنسان، وتفتح الباب أمام قراءة جديدة للتاريخ البشري والقرآني في آنٍ واحد.
وأعتقد لكون الحيدري مطلع، اطلاع مفكر حاذر، لتاريخ الأديان، وكذلك لما طرحه العلم، من أن وجود الإنسان على سطح الأرض يزيد على مليونيّ سنة، بينما آدم وجود بضعة آلاف من السنين، فكيف يكون هو أول مخلوق؟.
لذا ينطلق الحيدري في رؤيته من مبدأ أساسي، وهو أن النصوص الدينية لا تتعارض مع الحقائق العلمية والكونية الثابتة، لأن كليهما من عند الله، أحدهما كتاب مقروء هو القرآن، والآخر كتاب منظور هو الكون. وبما أن العلوم الحديثة تؤكد أن الإنسان، بمعناه البيولوجي، مرّ بمراحل تطور طويلة قبل ظهور الإنسان العاقل، فإن من غير المنطقي ـ بحسب الحيدري ـ أن يكون آدم هو أول مخلوق بشري على الإطلاق. فالبشرية كانت موجودة قبله، لكنهم لم يكونوا مؤمنين أو مكلفين بالمعنى الشرعي، بل كانوا مخلوقات بشرية عاقلة تعيش على الأرض قبل الاصطفاء الإلهي لآدم كنبيٍّ يُعلِّم الناس ويهديهم.
وفي نظر الحيدري، إن القرآن حين يتحدث عن خلق آدم لا يقصد بيان تفاصيل الخلق البيولوجي، بل يريد أن يوضح لحظة انتقال نوعية في تاريخ الإنسان، لحظة الوعي والاصطفاء والتكليف. فالآيات التي تتحدث عن سجود الملائكة لآدم وتعليمه الأسماء كلها تشير إلى تكريم نوعي يميز آدم عن بقية المخلوقات، وليس بالضرورة عن غيره من البشر الذين ربما سبقوه. فالاصطفاء لا يعني الخلق من العدم، بل يعني اختياراً من بين موجودات سابقة. تقول القرآنية: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ»، والاصطفاء في اللغة لا يكون إلا من موجودات متعددة، مما يشير إلى أن آدم كان أحد أفراد نوع بشري موجود، لكنه تميز بعنصرٍ جديد هو النبوة والمعرفة الإلهية.
ويؤكد الحيدري أن هذا الفهم لا يتعارض مع العقيدة الإسلامية في شيء، بل يعمّقها ويجعلها أكثر انسجاماً مع العقل والعلم. فالإيمان بوجود بشر قبل آدم لا ينفي كرامته، بل يبرز مكانته باعتباره أول من تلقى الوحي الإلهي وأول من وُكّل بمهمة الهداية. وبذلك يصبح آدم بداية للبشرية المؤمنة لا للبشرية البيولوجية. هذا التفريق بين الإنسان الطبيعي والإنسان المكلف هو جوهر ما يريد الحيدري توضيحه، إذ إن القرآن نفسه يستخدم كلمة "بشر" أحياناً بمعنى المخلوق الإنساني العام، وكلمة "إنسان" بمعنى الكائن العاقل الواعي القادر على التكليف والمسؤولية.
ويستند الحيدري أيضاً إلى إشارات قرآنية تُلمّح إلى وجود بشر قبل آدم، مثل قوله في حوار الملائكة: «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ»، إذ لو لم يكن هناك مخلوقات بشرية أو عاقلة سبقت آدم، فكيف علمت الملائكة أن هذا الكائن الجديد سيسفك الدماء ويفسد في الأرض؟. إن هذا يدل على أن هناك تجربة سابقة على الأرض لمخلوقات كانت تتصف بالعقل والتكليف الجزئي أو على الأقل بسلوك قريب من سلوك الإنسان، وأن آدم جاء بعد تلك المرحلة ليبدأ مرحلة جديدة عنوانها النبوة والوعي الإلهي الكامل.
ومن زاوية فلسفية، يرى الحيدري أن القول بأن آدم أول نبي لا أول مخلوق ينسجم مع منطق السنن الإلهية، فالله لا يخلق الأشياء فجأة من العدم الكامل، بل يجري خلقه وفق نظام التطور والتدرج، كما في تكوين الكون والإنسان والنبات والحيوان. فكما أن الله خلق السموات والأرض في مراحل، كذلك خلق الإنسان في أطوار. يقول: «وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا». وهذه الأطوار لا تقتصر على الفرد الواحد، بل تشمل النوع الإنساني نفسه الذي مر بمراحل طويلة حتى بلغ طور النبوة والعقلانية الموحى بها في آدم.
إن هذا الفهم، برأي الحيدري، يحرر الفكر الديني من الجمود، ويجعله قادراً على الحوار مع العلم الحديث ومع النظريات التطورية دون خوف أو إنكار. فليس من الضروري رفض فكرة التطور مثلاً لمجرد التمسك بظاهر النصوص، لأن النصوص لا تتحدث عن علم الأحياء بل عن الهداية الإلهية. وهكذا يمكن الجمع بين الإيمان بأن الله هو الخالق وبين القبول بأن عملية الخلق مرت بمراحل زمنية طويلة.
ولا يكتفي الحيدري بالتحليل اللغوي أو الفلسفي، بل يتوسع في البعد التربوي والفكري لهذه الفكرة، إذ يرى أن اختزال قصة آدم في كونها قصة خلقٍ مادي يفقدها قيمتها الأخلاقية والروحية. فالقصة في القرآن ليست درساً في علم الأحياء، بل في علم الإنسان: كيف خُلق ليتعلم، وكيف ارتقى بالمعرفة، وكيف سقط بالمعصية ثم تاب بالوعي. فالقرآن حين يذكر تعليم الأسماء لآدم يريد أن يبيّن أن الإنسان اكتسب الوعي والمعرفة التي ترفعه على بقية المخلوقات، وهذه النقطة هي التي تؤهله ليكون خليفة في الأرض.
ومن هنا يؤكد الحيدري أن خلاصة القصة تكمن في البعد الرسالي لا في البعد الخلقي، أي في بداية العلاقة بين الإنسان والوحي، لا في بداية وجود الإنسان على الأرض. فآدم يمثل لحظة الوعي الإنساني الأول بالله، والانتقال من الوجود الطبيعي إلى الوجود الرسالي. وهذا المعنى يجعل فهمنا للقرآن أكثر عمقاً، إذ يربط بين العلم والإيمان، بين التطور المادي والارتقاء الروحي.
وأخيرًا، يمكن القول إن كمال الحيدري لا ينكر النص القرآني ولا يعارض العقيدة، بل يسعى إلى إعادة قراءتها في ضوء العلم والعقل والسنن الإلهية. فآدم عنده ليس أول مخلوق بشري، بل أول نبي اصطفاه الله ليهدي من سبقه من البشر. وبهذا المعنى يصبح الإنسان نتاجاً لمسيرة طويلة من الخلق والتطور انتهت بظهور الوعي النبوي، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ الأرض: مرحلة التكليف والمسؤولية والمعرفة الإلهية. إنها رؤية تجعل من قصة آدم ليس بداية البيولوجيا البشرية، بل بداية التاريخ الروحي للإنسان.
ملاحظ// نص رأي الحيدري هذا موجود في مقطع فيديو منشور على "التوك توك" وعلى "الفيس)
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |