قراءة سوسيوانتروبولوجية للعيش المشترك : تراݣت او الهدية بزاكورة(الكنازطة) نموذجا

سي محمد طه
2025 / 11 / 4

التعاريف :

إن ال convivialité (العيش المشترك أو التآلف الاجتماعي) لا تملك تعريفاً واحداً جامعاً، إذ تختلف مقاربتها باختلاف رؤية كل عالم اجتماع أو أنثروبولوجي وزاوية تحليله للظاهرة.

1. إيفان إيليش (Ivan Illich, 1973):
يرى إيليش أن convivialité هي قدرة المجتمع على تمكين الفرد من أن يعيش في استقلالية ذاتية، في إطار علاقات قائمة على التعاون والتبادل المتكافئ.
فالمجتمع المتآلف هو ذلك الذي يتحكم أفراده في أدواتهم التقنية والاجتماعية والعمرانية دون أن يخضعوا لهيمنتها أو لسلطتها.

2. ميشال مافيزولي (Michel Maffesoli, 1988):
ينظر مافيزولي إلى convivialité بوصفها شكلاً من أشكال التضامن المبني على العاطفة، القرب الجسدي، والمشاركة في الحياة اليومية.
إنها أخلاق جمالية يعيش فيها الناس لحظات مشتركة، وأجواء موحدة، وشعوراً مؤقتاً بالانتماء، دون أن يتقاسموا بالضرورة نفس القيم أو العقائد.

3. ريمون ليدرو وجان ريمي (Raymond Ledrut & Jean Remy):
تتجلى convivialité في السياق الحضري كقدرة على التعايش السلمي داخل الفضاء العام، أي التسامح مع الاختلافات الاجتماعية، وبناء فضاءات مشتركة رغم التنوع الطبقي والثقافي.
إنها تقوم على فكرة المدنية الحضرية (la civilité urbaine)، أي الاعتراف المتبادل، واللباقة، والمساعدة المتبادلة في حدودها الدنيا.

4. مارك أوجيه، أولف هانرتز، سيثا لو (Augé, Hannerz, Low):
يربط هؤلاء الأنثروبولوجيون convivialité بفكرة التواجد المشترك (co-présence).
فـمارك أوجيه يرى أن convivialité تتجسد في “الأماكن الأنثروبولوجية” التي يصنع فيها الناس معنى لحياتهم من خلال القرب والتفاعل، في مقابل “اللامكان” (non-lieu).
أما أولف هانرتز وسيثا لو فيعتبران أن convivialité الحضرية تقوم على التعرف على الوجوه المألوفة، وطقوس الجيرة، والاعتراف الاجتماعي المتبادل.


---

تحليل الصورة :

الوصف :
تُظهر الصورة مشهداً من طقس العطاء الجماعي المتجذر في الممارسات الاجتماعية الريفية بالمغرب، وهو ما يُعرف بـ"الهدية" (الهدية / لْهَدْيَة)، وهي هبة تضامنية تُقدَّم بمناسبة الزواج.
تدور هذه الواقعة في قرية لكنازتة بالجنوب الشرقي للمغرب، حيث يُقدَّم الكبش كرمز للعطاء الطقوسي من أسرة إلى أسرة أخرى تُقيم العرس. ويُقام الحدث في فضاء عمومي مفتوح أمام الجميع، ضمن احتفالية تُعرف باسم تارغت (Tarragt).

بحسب إيفان إيليش:
إن تقديم الكبش يمثل شكلاً من التنظيم الذاتي للمجتمع المحلي؛ إذ تتكفل العائلات بتنظيم الزواج عبر تعبئة مواردها وشبكاتها الخاصة دون أي تدخل خارجي (لا مؤسساتي ولا ربحي).
إنها تضامن محلي يقوم على مبدأ المشاركة، والعطاء المتبادل، والتعاون — وهو ما يعكس convivialité منتَجة ذاتياً.

بحسب ميشال مافيزولي:
يركز مافيزولي على البعد العاطفي الجمعي المتجلي في طقوس الأعراس، حيث تعيش الجماعة حالة من الاندماج الوجداني يتلاشى فيها الفرد داخل شعور جماعي بالانتماء.
الهدية هنا تمثل مشاركة وجدانية، وعطاءً نابعاً من الفخر والبهجة والشرف.
إن convivialité تتجسد في الاتحاد الوجداني والرمزي بين الناس، عبر الموسيقى والاحتفال والطقس الجماعي.

بحسب جان ريمي:
الأساس هنا هو التعايش المتناغم. convivialité تتحقق من خلال المشاركة الجماعية في الطقس داخل فضاء عمومي مفتوح (يسمى “العَرْگ” — ساحة ترابية).
الحدث يُعبّر عن تعايش إيجابي تُنظم فيه "الهدية / تارغت" العلاقات الاجتماعية وتُعيد إنتاج التضامن بين الأسر.
إن الاعتراف المتبادل والمدنية الرمزية للعطاء هما مظهران من مظاهر convivialité.

بحسب أوجيه، هانرتز، ومارسيل موس، وفيكتور تيرنر:
تتمثل convivialité هنا في الحضور الطقوسي المشترك.
فالعطاء (ذبيحة، طعام، هدايا) يحمل قيمة رمزية تربط الأفراد اجتماعياً. وكما يقول مارسيل موس، فإن العطاء ليس مجانياً، بل يخلق التزاماً ثلاثياً: أن تعطي، وتتلقى، وتردّ.
هكذا تصبح convivialité دورة زمنية من التفاعل الاجتماعي.
خلال الزواج، يتحول الفضاء القروي إلى مكان طقوسي جماعي، حيث تتجسد convivialité من خلال حضور الأجساد، وتبادل النظرات، وإيماءات العطاء.


---

الخلاصة :

إن الصورة تُجسد نموذجاً لـال convivialité الريفية الجماعية المبنية على الهدية (الهدية)، وهي ممارسة اجتماعية تقوم على التضامن القروي، والشرف، والانتماء.
الزفاف، باعتباره طقس عبور، يشكل لحظة كثافة اجتماعية تعيد فيها الأسر القروية تأكيد روابطها الجماعية من خلال الحضور، والعطاء، والمشاهدة، والمشاركة.
إنها convivialité متعددة الأبعاد — عاطفية، رمزية، واقتصادية — تُترجم قوة الروابط الاجتماعية في السياق القروي للكنازتة، تاگونيت، زاكورة (جنوب-شرق المغرب).