|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

فاتن نور
2025 / 11 / 2
لا أعرف من أنت، ولا من ستكون، ولا كيف جئت إلى هذه الأرض الواطئة، التي انخفض منسوبها عن سجية الإنسان، وتعبت مدنها من النوم في قيعان الجشع والخديعة.
حدثتني كأنك نزلت لتوّك من هدهدة حافلة فارغة، عن نفسك الآيلة إلى إشراق خافت، ورحت ترسم بألوان غروبك الساحر هوية السبيل ووحشة الوسيلة، وتهجو أولئك الذين تضافروا وانضفروا حبائل شرسة لا تقرضها الفئران.
همست في أذني، كيلا تسمعك غيلان الصدفة، همسة شقية الانكفاء، تشي بزيغك اللونيّ، وروحك الهائمة بعقارب زمن داسته خيول مسرعة.
تحدثت بفتور من شاخوا نادمين، عن تقصّف المسافات، وعن نوافذ مشرعة لطلاوات مؤجلة، ومزالق مع ذكور وإناث تشتهيهم، أو خيل إليك هكذا.
عن أبواب مؤممة الإغلاق بالمزاليج، تكاثفت عليها أبخرة السرابات وأنفاس الذات الماراثونية الركض.
أسهبت عن أفواه متعطشة لرغوة البحر، متعففة بودائع الجزر، عن ألسنة الخذلان والمؤازرة، وشفاه نديّة الهمس، عفوية الغواية، توشوش محار لا يتوب، وتودع أشرعة مغادرة لا تعود بعد اجتيازها خط الأفق الأحمر.
حدثتني عن أصابع مولعة بلمس أشياء لا تصدأ، وبملامسة أمكنة فقدت ذاكرتها، وما زلت مولعًا بها بلا روح.
عرجت على الأقدار المفضوحة بطباشير سابلة بلا سبيل، يخدشون حياء جدران لا تستحق الخدش، ويهرولون كأطفال الشوارع متسخين بمطبات أحلامهم المشوشة.
وحدّثتني عن رقاب تتدلّى من قلنسوات صوف ثقيل، وعن وجوه متشابهة الملامح، تزأر بالثلج والنار، وتذوب بلمح البصر وملحه الغزير.
تحدثت بالمتيسر من رهاب الفطنة، عن شاشات نفيسة تحاول سد فم الكون المصرّ على النطق بلغته، وعرجت على المخبوء من المحنة، على مكبرات صوت الشائعات، ومحفزات الاحتباس اللفظي، وتسمين سيولة الأشياء الهرمة دون مساومة.
لكنك حدثتني ولأول مرة بشغف؛ شغف الملهم بسواد الصدق وبياض الكذب، عن مطهرات الأرواح التي لا تهيم، وعن محفزات النسل والأنساب بغسل واحد انتهت صلاحيته.
حدّثتني عن كل شيء موجود وغير موجود، عن أشياء تتناهى في الصغر، سيبتكرها هواة محطمون أو مترفون، وعن عباقرة ينقرضون بسرعة هائلة تحت جلودهم.
وأسرفت في هامش الحديث عن ألوان قزحية يتشكل منها العراء والعراء المضاد، عن الريش المنقوع بالأحبار، لتدوين مظاهر الأفعال والافتعال، ورسم كل ما لا نراه بالفطرة المجرّدة، أو نستثقل أن نراه مرسومًا في بيوتات البصيرة.
حدّثتني عن كل هذا، وكل ما لم يحدثني عنه قرأته بفراسة قارئات الفنجان وضاربات الودع.
وظل السيناريو، الذي أردت توظيفه لحكاية ما، ومع اتساع رقعته بعيدًا عن آلية الحقيقة..الفاقدة ل لام تعريف..وظل رأس الحقيقة بعيدًا عن مسقط رأسه، وظل المسقط بلا رائحة أو دوال.
هكذا ظل المكان الذي حدثتني فيه مهجورًا بلا ذاكرة.
ومع أنني لا أعرف من أنت، ومن ستكون لاحقًا، إذا كنت ستكون،
ما لبث قلبي الممسوس بما حدثتني عنه يحدثني الكثير عنك، كما لو أنك ممسوس بما أصاخ له حكاؤون عظماء.
وما زال ينخفض بارتياب عن منسوب خفقه الطبيعي،
ويعلو باضطراب وحكمة.. لا ريبة فيها.
November 02, 2025
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |