التحول المفاهيمي في مقاربة مجلس الأمن لقضية الصحراء الغربية: قراءة قانونية في ضوء مبدأ تقرير المصير

فريد بوكاس
2025 / 11 / 1

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي مقيم في المنفى

ملخص

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل التطور القانوني والسياسي في مواقف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إزاء نزاع الصحراء الغربية، من التركيز التقليدي على مبدأ تقرير المصير كحق غير قابل للتصرف، إلى تبني خطاب واقعي يركز على الحلول السياسية التوافقية، وبخاصة مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007.

تعتمد الدراسة على تحليل نصوص القرارات الأممية ذات الصلة، ومناقشة الأسس القانونية لمفهوم تقرير المصير في القانون الدولي، بما يعكس التحول من “الحق في الاستقلال” إلى “الحق في التفاوض حول شكل تقرير المصير”.


أولًا: الإطار القانوني لمبدأ تقرير المصير في القانون الدولي

يُعتبر مبدأ تقرير المصير أحد المبادئ الجوهرية في القانون الدولي المعاصر، وقد تم تكريسه بوضوح في:
ميثاق الأمم المتحدة (المادتان 1 و55)،
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 1)،
وقرارات الجمعية العامة، خاصة القرار 1514 (د-15) لسنة 1960 بشأن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة.

وبحسب الفقه الدولي، فإن هذا المبدأ يحمل طابعًا مزدوجًا:

سياسي: يتيح للشعوب المستعمَرة اختيار مستقبلها السياسي بحرية.
قانوني مؤسسي: يفرض على الأمم المتحدة واجب دعم هذه العملية تحت إشرافها.

غير أن تطبيق هذا المبدأ ظل إشكاليًا في حالات النزاعات الإقليمية المعقدة، خصوصًا عندما يتقاطع مع مبدأ وحدة أراضي الدول. وهنا يبرز النزاع حول الصحراء الغربية كأحد أبرز الأمثلة على هذا التوتر المفاهيمي.


ثانيًا: المقاربة الأممية لقضية الصحراء الغربية منذ 1975

اعتمد مجلس الأمن منذ بدايات النزاع لغةً تؤكد على حق تقرير المصير للشعب الصحراوي، كما ورد في القرار 621 (1988) والقرار 690 (1991) الذي أنشأ بعثة المينورسو لتنظيم الاستفتاء.

كان الهدف المركزي آنذاك هو تمكين سكان الإقليم من اختيار بين الاستقلال أو الاندماج مع المغرب عبر استفتاء حر ونزيه.

لكن بعد عقدٍ من التعثر بسبب الخلاف حول تحديد هوية الناخبين، بدأت الأمم المتحدة تدرك استحالة التطبيق العملي لهذا الخيار، وهو ما قاد إلى تحول تدريجي في الخطاب القانوني والسياسي لمجلس الأمن.


ثالثًا: نقطة التحول – مبادرة الحكم الذاتي المغربية (2007)

في أبريل 2007، قدمت المملكة المغربية إلى الأمين العام للأمم المتحدة مقترح الحكم الذاتي كحل سياسي للنزاع.
وقد كان لهذا المقترح أثر مباشر على صياغة القرارات اللاحقة، بدءًا من القرار 1754 (2007)، الذي نص لأول مرة على أن مجلس الأمن:

“يرحب بالجهود الجادة وذات المصداقية التي يبذلها المغرب للمضي قدمًا نحو حل سياسي قائم على الواقعية وروح التوافق.”

ومنذ ذلك القرار، اختفى ذكر الاستفتاء بشكل صريح من نصوص قرارات مجلس الأمن، واستُبدل بمصطلحات مثل “حل سياسي واقعي، عملي، ودائم، ومقبول من الطرفين”، كما في القرارات اللاحقة (1813 (2008)، 2440 (2018)، 2654 (2022)، 2703 (2023)).


رابعًا: التحليل القانوني لهذا التحول

1. من “الحق في الاختيار” إلى “الحق في التفاوض”

يُظهر هذا التطور أن مجلس الأمن أعاد تعريف مفهوم تقرير المصير في سياق الصحراء الغربية. فبدل أن يُفهم بوصفه “اختيارًا بين الاستقلال أو الاندماج”، أصبح يُفهم باعتباره عملية سياسية تفاوضية تتيح للسكان المحليين ممارسة تقرير المصير ضمن إطار توافقي يراعي وحدة أراضي الدولة العضو في الأمم المتحدة.

2. التوافق مع مبادئ وحدة الدول وسلامة أراضيها

يستند هذا الاتجاه إلى مبدأ راسخ في القانون الدولي مفاده أن تقرير المصير لا يجب أن يُفسّر بما يمس وحدة الدول القائمة (كما ورد في إعلان مبادئ القانون الدولي لعام 1970).
وبالتالي، فإن الحل السياسي القائم على الحكم الذاتي يُعد توفيقًا بين مبدأي تقرير المصير ووحدة الدولة.

3. دور مجلس الأمن كفاعل سياسي – قانوني

بحكم طبيعته، لا يُصدر مجلس الأمن قرارات ذات طابع قضائي، بل توصيات سياسية ملزمة من حيث السلوك الدولي.
ولذلك، فإن دعمه لمقترح الحكم الذاتي لا يشكل اعترافًا قانونيًا بمغربية الصحراء، وإنما تقديرًا سياسيًا لواقعية الحل المقترح، في ظل انسداد أفق الاستفتاء.


خامسًا: الوضع القانوني الحالي للإقليم

من الناحية الشكلية، لا تزال الصحراء الغربية مدرجة ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لدى اللجنة الرابعة للأمم المتحدة، مما يعني أن وضعها القانوني لم يُحسم بعد.

غير أن قرارات مجلس الأمن الأخيرة، بخاصة القرار 2703 (2023)، تُظهر أن المجتمع الدولي بات يفضّل تسوية سياسية تفاوضية تحت رعاية الأمم المتحدة على أي حل أحادي الجانب.


سادسًا: دلالات التحول في ضوء القانون الدولي المعاصر

تطور في مضمون تقرير المصير: لم يعد المفهوم يعني تلقائيًا “الاستقلال”، بل أصبح يتسع لـ“الحكم الذاتي” أو “الاتحاد الفيدرالي” كأشكال ممكنة للممارسة.

مرجعية السوابق الدولية: حالات مثل تيمور الشرقية، وجنوب السودان، وكوسوفو، أبرزت أن تطبيق تقرير المصير يتأثر بالظروف الجيوسياسية أكثر من النصوص المعيارية البحتة.

ترجيح الواقعية على المثالية: مجلس الأمن تبنّى نهجًا “براغماتيًا” يوازن بين القانون والسياسة، مراعيًا للاستقرار الإقليمي أكثر من الاعتبارات العقائدية للسيادة أو الانفصال.


خاتمة

يُظهر تحليل قرارات مجلس الأمن أن قضية الصحراء الغربية تمثل نموذجًا دالًّا على التأقلم المفاهيمي لمبدأ تقرير المصير داخل النظام الأممي.
فبعد أن كان يُفهم بوصفه حقًا في الانفصال، أصبح يُقارب الآن باعتباره حقًا في التفاوض على شكل الحكم الذاتي، في انسجام مع مبدأ وحدة أراضي الدول.
ومن هذا المنظور، فإن دعم مجلس الأمن لمقترح الحكم الذاتي المغربي لا يشكل اعترافًا قانونيًا بالسيادة المغربية، لكنه يعكس توجّهًا أمميًا نحو تسوية توافقية واقعية تُنهي النزاع دون الإخلال بالمبادئ الأساسية للقانون الدولي العام.


المراجع :
ـ ميثاق الأمم المتحدة، 1945.
ـ الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 1514 (د-15)، 1960.
ـ مجلس الأمن، القرار 690 (1991).
ـ مجلس الأمن، القرار 1754 (2007).
ـ مجلس الأمن، القرار 2440 (2018).
ـ مجلس الأمن، القرار 2703 (2023).
ـ إعلان مبادئ القانون الدولي بشأن العلاقات الودية بين الدول، الجمعية العامة القرار 2625 (د-25)، 1970.
ـ تقارير الأمين العام للأمم المتحدة حول الوضع في الصحراء الغربية (2007–2023).

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي