|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
رياض قاسم حسن العلي
2025 / 10 / 31
في النصف الثاني من القرن السابع عشر، كانت مدينة أمستردام تمثل إحدى العواصم التجارية والفكرية في أوروبا الصاعدة. مدينة مفتوحة على البحر والمال والأفكار، لكنها في الوقت ذاته مدينة تخضع لقوانين الطوائف وموروثاتها الصارمة. وفي خضم هذا السياق، جرت واقعة قد تبدو عابرة للوهلة الأولى، لكنها تحولت إلى شرارة غيّرت مسار الفلسفة الحديثة. ففي صيف عام 1656، أصدرت الطائفة اليهودية السفاردية في أمستردام قرارها الأشهر: الحِرِم أو "اللعنة الكاملة"، بحق شاب لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، يُدعى باروخ سبينوزا.
كان هذا القرار حكماً بالإعدام الرمزي. فقد تلي نص اللعنة في المعابد على الملأ، مُعلناً أن سبينوزا مطرود من رحمة الجماعة، ومقطوع الصلة بأبناء ملته، ممنوع على الناس الاقتراب منه أو مخاطبته أو حتى ذكر اسمه دون أن يعدّ ذلك تجديفاً. بهذا القرار، جُرّد سبينوزا من كل شيء: من هويته الدينية، من مكانته الاجتماعية، من انتمائه إلى ذاكرة جماعية كانت تشكل ركيزة الوجود اليهودي في المنفى. كان هذا الطرد بمثابة نفي مزدوج: نفي من الجماعة الحاضرة، ونفي من التاريخ الذي تحاول الطائفة أن تكتبه.
كانت هذه القسوة تنطوي على عمق وجودي. إذ لم يكن سبينوزا بعدُ فيلسوفاً مشهوراً، ولا مؤلفاً لنصوص كبرى، انما كان مجرد شاب يسائل الموروثات ويجرؤ على نقد النصوص المقدسة كما تُفسرها السلطة الدينية. ومع ذلك، كان طرده إعلاناً مبكراً عن طبيعة العلاقة بين الفكر الحر والسلطة الروحية: كل محاولة لتجاوز المألوف تُواجَه بالإقصاء، وكل خروج على النصوص يُجابَه بالمحو. المدهش في قصة سبينوزا هو تقبله لهذا الأمر بهدوء.. لم يصرخ في وجه المؤسسة التي لفظته، لم يتوسل العودة إلى حضنها، لم ينخرط في جدل عقيم مع حاخاماتها. انما انسحب في صمت، وكأنه كان يعرف أن المنفى قد كُتب له منذ البداية. تقبّل عزلته لا كعقوبة، لكن كقدرٍ فلسفي، وكأن الطرد هو بداية حقيقية لفلسفة أخرى: فلسفة الحرية التي لا تعرف قيداً سوى العقل.
في هذا التحول تكمن عظمة سبينوزا: فبينما أرادت الطائفة أن تمحوه، جعل من محوه بداية لإعادة تعريف ذاته. صار ينتمي إلى فضاء أوسع: فضاء الفكر الكوني. ومن هنا، صار منفياً في الظاهر، لكنه في الجوهر كان يؤسس لميلاد فلسفة جديدة، فلسفة ترى أن الحقيقة لا تحتاج إلى سلطة تفرضها، وأن الإنسان لا يُعرَّف بما تكتبه الطوائف عنه، أنما بما يكتبه هو عن نفسه.
بعد صدور قرار الحَرْم ضد سبينوزا، لم يكتفِ المجتمع الديني بعزله وإخراجه من فضاء الجماعة، حيث امتدت يد العنف الجسدي لتترجم ذلك النفي الرمزي إلى محاولة اغتيال فعلية. فقد أقدم أحد المتعصبين اليهود على طعنه بخنجر، غير أن معطفه السميك امتص الضربة وأنقذ حياته. من تلك اللحظة، صار هذا المعطف المثقوب جزءًا لا ينفصل عن وجوده، بصفته علامة فلسفية ورمزًا حيًا لثمن الحقيقة.
لقد تعامل سبينوزا مع المعطف كما يتعامل الفيلسوف مع النص المؤسس: يُقرأ بوصفه وثيقة شاهدة على مأساة الفكر الحر. فالثقب الذي بقي في نسيجه كان بمثابة ندبة معلّقة على كتف التاريخ، يذكّر صاحبه بأن الجسد هشّ وقابل للانكسار، بينما الفكرة قادرة على الاستمرار والتمدد حتى بعد أن يُسفك الدم دفاعًا عنها.
صار المعطف درعًا رمزيًا في معركة غير مرئية بين السلطة والحرية، بين القمع والحقيقة. لقد حمله سبينوزا معه حتى وفاته، كأنه أراد أن يقول للعالم: إن جرح الجسد قابل للشفاء، أما جرح الفكرة فلا يندمل إلا بالاستمرار في التفكير.
حين أُتيح لسبينوزا أن يعود إلى الدائرة الدينية أو الاجتماعية، رفض بإصرار كل العروض التي كان يمكن أن تعيد له مكانة مفقودة أو حياة أكثر استقرارًا. هذا الرفض كان إعلانًا وجوديًا عن اختياره الحر: أن يعيش مستقلاً حتى لو كلّفه ذلك الفقر والعزلة، خيرٌ له من أن يبيع فكره في سوق الطاعة والانتماء.
فقد اختار أن يعمل مصلّحًا للعدسات الزجاجية، مهنة متواضعة ظاهريًا لكنها مشحونة بالرمزية. فالعدسة، في جوهرها، أداة لكشف الغامض وتوضيح ما يظل ملتبسًا للعين. هكذا تحولت مهنته اليومية إلى استعارة لعمله الفلسفي: كما يصقل الزجاج ليجعل الرؤية أوضح، كان يصقل المفاهيم ليجعل الفكر أكثر نقاءً وقدرة على النفاذ إلى جوهر الحقيقة.
غرفته الضيقة، المحاطة بالغبار ورائحة الزجاج المصقول صارت فضاءً فلسفيًا يضاهي أعظم قاعات الجامعات والمعابد. هناك، وسط الصمت المتراكم وهدير الأدوات البسيطة، كتب سبينوزا نصوصه الكبرى: الأخلاق والرسالة اللاهوتية-السياسية. كتبها كمن يكتب وصية لعالم لم يأت بعد، وكأن كلماته هي رسائل مؤجلة إلى قرون لاحقة، إلى قرّاء لم يولدوا بعد لكنه كان واثقًا أنهم سيأتون.
لقد حوّل العزلة إلى مختبر فلسفي، والفقر إلى شرط للحرية، والعمل اليدوي إلى موقف وجودي ضد كل أشكال الهيمنة. كان سبينوزا يعيش فكره بتفاصيل حياته اليومية، حتى أصبحت سيرته الشخصية هي النص الموازي لفلسفته.
حين جاء عام 1677، كان جسد سبينوزا قد بلغ أقصى درجات الوهن. لم يتجاوز الرابعة والأربعين من عمره، لكن رئتاه أنهكهما الغبار الدائم الناتج عن صقل العدسات، ذلك الغبار الذي كان يتسرب إلى رئتيه كما لو كان الوجه الآخر للفكرة: وضوحٌ للعالم، مقابل تآكلٍ للجسد. ومع ذلك، لم يتلقّ الموت كعدو أو كارثة، لكن كصديق قديم طال انتظاره، فجلس في غرفته الضيقة يستقبله بملامح هادئة وابتسامة رقيقة، كأن النهاية اكتمالًا.
لم يترك وصية حبث اكتفى بعبارة واحدة اختزلت مساره كله:
Amor Dei intellectualis – الحب العقلي لله.
هذه العبارة كانت إعلانًا عن تجربة عقلية وروحية متجاوزة. كان حبّه لله حبًّا لا ينهض على الخوف من العقاب أو الطمع في الثواب، انما على وعي عميق بأن العقل، حين يبلغ أقصى درجات صفائه، يلتقي بالأبدية. حيث لم يعد الله بالنسبة لسبينوزا موضوع عبادة شعائرية، انما هو أفقًا لا نهائيًا ينعكس فيه جوهر الوجود، ويجد فيه الفكر مصالحة مع الضرورة، ومع الموت، ومع فكرة الخلود.
لقد كان حبًا حرًّا، منزوعًا من الحسابات، حبًا لا يطلب مقابلاً، يستند إلى إدراك أن الحرية لا تُمنح إلا للعقل الذي يتجاوز ذاته ويغدو شريكًا في نظام الطبيعة الكوني. وهكذا، رحل سبينوزا مطرودًا من معابد البشر، لكنه متصالح مع أبدية لا تحتاج إلى معابد.
في اللحظة التي صدر فيها قرار الحِرْم ضد سبينوزا، ظنّت الطائفة اليهودية في أمستردام أنها نجحت في محو اسمه من الوجود، وأنها قد طردته إلى هوامش التاريخ بلا رجعة. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا "المحو" المزعوم كان الشرارة الأولى التي دشّنت منعطفًا فلسفيًا سيغدو حجر الأساس للحداثة الأوروبية. فما أرادوه قمعًا تحوّل إلى ولادة جديدة، وما أرادوه نهاية صار بداية لزمن آخر.
كان سبينوزا هو من زرع البذور الأولى لفكرة الدولة المدنية الحديثة، القائمة على حرية التفكير وفصل المجال السياسي عن الهيمنة الدينية. في نصوصه، وبالأخص في الرسالة اللاهوتية–السياسية، أعاد تعريف العلاقة بين الإنسان والعقل والدين، مقدّمًا تصورًا لله لا يخضع للمؤسسات الكهنوتية، لكنه يتجاوزها نحو أفق كوني قائم على العقل والطبيعة والضرورة. لقد أخرج "الله" من حيز العقاب والثواب ومن وصاية المعبد، ليعيده إلى رحابة الفلسفة كفكرة عن الكلية المطلقة والنظام الكوني.
عاش سبينوزا مطرودًا من المعابد، محاطًا بعزلة خانقة وغرف ضيقة، لكن أثره تجاوز كل جدران العزل وكل طقوس الإقصاء. لقد صار أكثر خلودًا من المعابد ذاتها، لأن الفلسفة التي أسسها كانت ميراثًا مفتوحًا للأزمنة اللاحقة. وعندما نقرأه اليوم، ندرك أن المعبد قادر على أن يطرد الفيلسوف من جدرانه، لكنه عاجز عن طرد الفلسفة من التاريخ.
رحل سبينوزا، لكن أثره لا يزال يعيش كجزء من الضمير الفلسفي الإنساني. قصته هي حكاية عن ثمن الحرية: الحرية التي تدفع صاحبها إلى المنفى، إلى الفقر، إلى محاولة الاغتيال، إلى العزلة، لكنها تمنحه في المقابل قدرة نادرة على أن يحيا ويموت بسلام.
لقد خرج من معابد البشر مطروداً، لكنه دخل إلى أبدية الفلسفة مبتسماً، تاركاً لنا درساً لا يُمحى: أن الحقيقة لا تُصان بالخوف، وأن الحب العقلي لله أسمى من كل اللعنات التي قد ينطق بها البشر.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |