|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2025 / 10 / 31
قراءة تحليلية في واقع الحريات واحتكار القرار
إعداد: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي مقيم بالمنفى بألمانيا
مقدمة
يُنظر إلى المغرب منذ عقود على أنه استثناء عربي في مسار التحول السياسي، إذ يجمع بين الملكية الدستورية والانفتاح النسبي على المعارضة والمجتمع المدني. لكن خلف هذه الصورة، يختبئ واقع معقد تتنازعه قوتان: إرادة التحديث والانفتاح من جهة، وإصرار على الهيمنة والتحكم في الحياة السياسية والإعلامية من جهة أخرى.
ومع تصاعد الاعتقالات ذات الطابع السياسي، وتضييق الخناق على الأصوات المنتقدة، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: هل يعيش المغرب اليوم تحوّلًا تدريجيًا نحو نمط من “الديكتاتورية الناعمة”؟
أولًا: الديكتاتورية في ثوب ناعم
تتخذ الأنظمة السلطوية الحديثة أشكالًا متعددة لا تقوم بالضرورة على الانقلابات أو الحكم العسكري المباشر، بل على التحكم في الفضاء العام عبر أدوات قانونية وإعلامية واقتصادية.
وفي المغرب، يظهر هذا النمط من خلال:
التحكم في المشهد الحزبي، حيث يتم احتواء الأحزاب المعارضة ضمن حدود “الولاء للثوابت الوطنية” دون تجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بالمؤسسة الملكية أو الجيش أو الدين.
إضعاف النقابات والمجتمع المدني عبر قوانين تقيّد التمويل وتمنع التظاهر أو التنظيم الحر.
توظيف القضاء في ملاحقة الصحفيين والناشطين بدعاوى “إهانة المؤسسات”، “نشر أخبار زائفة”، أو “الاعتداء على الأمن الداخلي للدولة”.
بهذا المعنى، لا تحتاج الدولة إلى قمع دموي لتفرض سلطتها، بل تستخدم أدوات “قانونية” تُكسى بغطاء الشرعية الشكلية.
ثانيًا: الاعتقالات السياسية – من هم المستهدفون؟
منذ 2016، ومع اندلاع حراك الريف في شمال البلاد، بدأ نمط جديد من التعامل الأمني يظهر بوضوح. فقد تم اعتقال مئات النشطاء، وحُكم على رموز الحراك مثل ناصر الزفزافي بأحكام قاسية، وجرى اتهامهم بـ“المساس بأمن الدولة”.
لاحقًا، توسع نطاق الاعتقالات ليشمل:
صحفيين مستقلين مثل عمر الراضي وسليمان الريسوني، اللذين وُجهت لهما تهم أخلاقية يُنظر إليها على نطاق واسع كوسيلة لإسكات الأصوات المنتقدة.
مدونين ونشطاء رقميين عبّروا عن مواقف سياسية أو اجتماعية عبر وسائل التواصل.
أساتذة وطلاب شاركوا في احتجاجات اجتماعية أو دعوا إلى إصلاحات سياسية جذرية.
ورغم نفي السلطات لصفة “الاعتقال السياسي”، فإن المنظمات الحقوقية الدولية مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية أكدت أن العديد من القضايا تفتقر إلى محاكمات عادلة، وأن الاتهامات ذات طابع سياسي واضح.
ثالثًا: حرية التعبير بين الخطوط الحمراء
يُعدّ الإعلام في المغرب من أكثر القطاعات حساسية. فبعد سنوات من الانفتاح النسبي في بداية الألفية، بدأت رقابة غير معلنة تتسلل إلى الصحف والمنصات الرقمية.
الصحفيون المستقلون يواجهون اليوم خيارين أحلاهما مرّ:
الالتزام بالخط الرسمي وتجنب الملفات السياسية الحساسة.
دفع الثمن عبر الملاحقة أو الإقصاء أو تشويه السمعة.
وفي المقابل، يجري دعم وسائل إعلام “موالية” تكرّس رواية الدولة وتشيطن المعارضين. وهكذا تُصاغ صورة إعلامية تُخفي جانبًا كبيرًا من الواقع.
رابعًا: الإصلاحات الدستورية المعلقة بين الطموح والتراجع
عقب دستور 2011، الذي جاء في سياق “الربيع العربي”، اعتقد كثيرون أن المغرب دخل مرحلة جديدة من الملكية البرلمانية والمحاسبة السياسية. لكن الممارسة كشفت أن السلطة الفعلية بقيت مركّزة في يد المؤسسة الملكية.
فالحكومة المنتخبة، رغم امتلاكها صلاحيات تنفيذية أوسع نظريًا، تظل محدودة القرار أمام مؤسسات غير منتخبة تمتلك القرار الاستراتيجي في الاقتصاد والأمن والسياسة الخارجية.
وبينما رُوّج لمفهوم “الانتقال الديمقراطي”، فإن الواقع يعكس جمودًا هيكليًا، حيث يجري التلاعب بالانتخابات والبرامج الحزبية لتكريس توازن هش يخدم مركز القرار.
خامسًا: المجتمع المدني والمقاومة السلمية
رغم التضييق، لا تزال هناك جيوب مقاومة سلمية داخل المجتمع المغربي. منظمات حقوقية مثل “الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” و“الحرية الآن” تواصل الدفاع عن المعتقلين السياسيين، وتوثّق الانتهاكات رغم التضييق على نشاطها.
كما يشهد الفضاء الرقمي نشاطًا متزايدًا لشباب يعبّرون عن آرائهم بحرية أكبر عبر الإنترنت، في محاولة لكسر احتكار الرواية الرسمية.
لكن استمرار الاعتقالات واستدعاء النشطاء، بالإضافة إلى غياب قنوات مؤسسية فعّالة للحوار، يجعل التوتر السياسي والاجتماعي في ازدياد.
سادسًا: الموقف الدولي – بين الصمت والمصالح
المفارقة الكبرى تكمن في الصمت الدولي تجاه الوضع الحقوقي المغربي.
فبينما تتصاعد الانتقادات الحقوقية من منظمات غير حكومية، تواصل القوى الغربية، وعلى رأسها فرنسا والاتحاد الأوروبي، تقديم المغرب كنموذج “مستقر” في شمال إفريقيا.
ويرجع ذلك إلى مصالح اقتصادية وأمنية تتعلق بالهجرة ومكافحة الإرهاب والتعاون الاستخباراتي، ما يجعل ملف حقوق الإنسان يُعامل بانتقائية واضحة.
خاتمة: المغرب على مفترق طرق
المغرب اليوم يقف عند مفترق حاسم:
إما أن يختار توسيع الحريات السياسية وإطلاق سراح المعتقلين وفتح المجال العام لبناء دولة ديمقراطية حقيقية،
أو أن يستمر في نهج التحكم والاعتقال والتضييق، وهو ما قد يؤدي إلى تراكم الاحتقان الاجتماعي وانفجار جديد لا يمكن التنبؤ بنتائجه.
فالتاريخ أثبت أن الاستقرار لا يبنى على الخوف، بل على الثقة والمواطنة والعدالة.
وإذا أراد المغرب أن يظل “استثناءً إيجابيًا” في المنطقة، فعليه أن يراجع علاقته بالحرية… قبل أن يفوّت فرصة التحول التاريخي التي طال انتظارها.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |