|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

مظهر محمد صالح
2025 / 10 / 30
كنتُ ابنَ العشرِ حين وقعتْ يدي مصادفةً على كتابٍ في متجر كتبٍ صغير في سوق مدينتي، معروضٍ خلف زجاجٍ باهتٍ يعلوه الغبار. كان عنوانه صارخًا: «علم النفس التربوي».
بلغ ثمَنه مئةً وخمسين فلسًا ، نصف دولار تقريبًا ،
في زمنٍ كان السعر فيه مقياسًا للقيمة ، والقيمةُ مرآةً للفكرة.
لم أكن أدري ما الذي شدّني إلى عنوانه: أهو الفضول أم محاولةٌ غامضةٌ لفهم ما لا يُفهم؟ كنتُ أراقب المعلّم وهو يشرح، والأطفال وهم يخطئون أو يصيبون، وأتساءل في صمتٍ طفولتي :
لماذا نفرح حين نُكافأ؟ ولماذا نخاف حين نُوبَّخ؟
كان علم النفس التربوي يومها نافذةً على سرّ الإنسان الصغير الذي كنتُه، وسرّ الكبار الذين أرادوا أن يصنعوا منّا صورةً أخرى عنهم. شعرتُ أن في التربية شيئًا من الفلسفة، وأن وراء السلوك المدرسي نظامًا خفيًّا من المشاعر والدوافع والعدالة.
كنتُ أحمل في جيبي المبلغ الصغير، وأحوم حول المكتبة متردّدًا، أخشى أن يزجرني صاحبها الذي عُرف (بصرامة أيديولوجيته) أكثر من حبّه لبيع الكتب.
ترددتُ في الدخول، وكنت أفكر: ماذا سأقول لأبي حين أعود إلى البيت بكتابٍ كهذا؟ هل سيتفهّم فضولي أم يراها قفزةً غير محسوبة في مدار العمر؟
كنت أتصور أن الكتاب سيحدثني عن علماء علم النفس ، امثال جون ديوي، الفيلسوف والمربّي الأمريكي الذي جعل من المدرسة مجتمعًا مصغّرًا للحياة الديمقراطية، أو عن جان بياجيه، صاحب الثورة في فهم مراحل النموّ المعرفي للطفل، أو ربما عن ليف فيغوتسكي، الذي رأى في التعلّم فعلاً اجتماعيًا قبل أن يكون فرديًا، أو حتى عن كارل روجرز الذي جعل الحرية ركيزةً للتعلّم، وسكينر الذي علّمنا كيف يتشكّل السلوك بالتعزيز والعقاب.
لم أدرك يومها أن مجرّد وقوفي أمام ذلك الزجاج كان عبورًا رمزيًا نحو عالمٍ لن أخرج منه أبدًا: عالم السؤال عن الإنسان، وكيف يصبح ما هو عليه.
غير أن ترددي لم يكن خوفًا من الكتاب بقدر ما كان خشيةً من موقف أبي ، الرجل (البسيط في أيديولوجيته) العميق في إنسانيته ،الذي لم يكن يرى في الحياة سوى أن نتدرّج في مدارسنا بهدوء، دون قفزاتٍ تفوق أعمارنا.
كان الإطار التربوي في بيتنا مستقيمًا كمسار قطارٍ شرقي، لا يسمح بانعطافاتٍ فكريةٍ مبكرة، ولا بقراءاتٍ تتجاوز خريطة وزارة المعارف الملكية وما بعدها.
وهكذا، بين صرامة صاحب المكتبة وبساطة أبي(اللا أيديولوجية)، انتهت مغامرتي بشراء الكتاب بالفشل… لكنّها تركت في روحي شرارةً لم تنطفئ.
خرجتُ من متجر الكتب بخطواتٍ متباطئة، وكنت أشعر أنني تركتُ خلفي شيئًا مني هناك. منذ تلك اللحظة، صار عنوان الكتاب يلاحقني في كل مكان، كما لو أنّه بوّابةٌ مؤجَّلة نحو فهم الإنسان .. نحو فهمي أنا.
بعد سنواتٍ طويلة، حين درستُ الاقتصاد والفكر، أدركتُ أن ذلك النداء الطفولي لم يكن عبثًا؛ لقد كانت رغبتي المبكرة في قراءة علم النفس التربوي محاولةً بريئةً لقراءة النفس قبل العالم، لفهم دوافع الخير في الإنسان قبل سلوك السوق في المجتمع.
كان أبي، دون أن يدري، يمارس علم النفس التربوي حين يضع يده على كتفي ويقول: “اقرأ لتفهم الناس، لا لتجادلهم.” تلك الجملة كانت أول درسٍ في التربية النفسية، لم يأتِ من كتابٍ، بل من سلوكٍ صامتٍ وحنوٍّ أبويٍّ صادق.
مرت الأعوام ، وجاء يوم امتحان البكالوريا في اللغة العربية، وكان عنوان الإنشاء: «من هي أعظم شخصية في حياتك؟»
لم أتردّد لحظة في الكتابة عن أبي، عن بساطته وعدله الفطري وحنانه الذي يلخّص علم النفس كله في كلمة واحدة: الرحمة.
انتهت الامتحانات، واستُدعي أبي إلى المدرسة ليُبلَّغ أن نجله قد حاز المرتبة الثانية في مسابقة أفضل إنشاء بين طلبة الابتدائية في عموم اللواء.
سأل أبي عن التلميذ الأول، فأجابوه:
«هو تلميذ كتب أن أعظم شخصية في حياته… ما زال يبحث عنها!»
لا أدري، وربما لن أدري أبدًا، إن كان ذلك الطالب الذي فاز بالمركز الأول قد اشترى في طفولته ذاك الكتاب الذي لم أجرؤ على شرائه: انه علم النفس التربوي.
وحين أستعيد اليوم تلك اللحظة أمام زجاج المكتبة ، أرى في انعكاسها مرآةً لأمّةٍ بأكملها وهي تتعلّم ببطءٍ كيف تفهم ذاتها. فـ علم النفس التربوي لم يكن مجرد علمٍ للمدرسة، بل هو علمُ وطنٍ يبحث عن مسارات في الرقي التربوي ، قبل ان يغادر أوجاع ذاكرتي.
انتهى