3. من الفعل الشعبي إلى السلطة الموازية

عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 10 / 30

تشكل المقاطعة في لحظتها الجوهرية فعلاً تأسيسياً لا انسحابياً. فهي لا تعبر عن مجرد رفض لمنطق الدولة القائمة وآلياتها البيروقراطية الرأسمالية، بل تمثل البذرة الأولى لسلطة موازية تنبثق من رحم المجتمع ذاته، وتعتمد على التنظيم الذاتي للطبقة العاملة وحلفائها. كل فعل امتناع جماعي عن آليات السيطرة الرسمية يخلق مساحة لولادة تنظيم ذاتي يعيد تعريف السياسة من موقع المنتجين والمهمشين كقوة طبقية فاعلة ومستقلة عن الدولة البرجوازية. وكلما تعمّق هذا الفعل الشعبي في تعطيل تدفق الريع إلى الدولة، كلما بدأ التحول من الامتناع الفردي إلى السيطرة الاجتماعية على عملية الإنتاج والتوزيع.

في السياق السوداني، أفرزت الأزمة البنيوية الممتدة وأنماط الإنتاج الرأسمالية التابعة أنماطاً متعددة من التنظيم الذاتي المباشر – من لجان المقاومة وغرف الطوارئ إلى التعاونيات وصناديق التضامن – تمثل في جوهرها نواة مادية لسلطة موازية. هذه البنى لا تشكل مجرد رد فعل على انهيار الدولة البورجوازية التابعة، بل هي التعبير الأوضح عن قدرة المجتمع على إعادة إنتاج ذاته وفق أسس جديدة تقوم على التضامن والإدارة المباشرة، خارج منطق الاستغلال الرأسمالي والوصاية الطبقية.

غير أن تطور هذه المؤسسات الشعبية من هياكل مقاومة ظرفية إلى سلطة بديلة مستدامة يواجه تحديات بنيوية كبرى. يتمثل التحدي الأول في الخطر الملازم لتحول هذه الهياكل إلى بيروقراطية جديدة تنفصل عن قاعدتها العمالية والشعبية، وتعيد إنتاج علاقات الهيمنة القديمة في شكل إداري جديد، وهو ما يجب مقاطعته ثورياً. يتمثل التحدي الثاني في صعوبة التنسيق بين هذه البنى القاعدية في هيكل موحد يحافظ على استقلاليتها ووحدة قرارها في الوقت ذاته، مما يتطلب تجاوز منطق الفصائلية إلى منطق الوحدة الطبقية الثورية في الممارسة. أما التحدي الثالث فهو قدرة النظام القديم على استيعابها أو تفكيكها عبر أدوات القمع العسكري أو الإغراء المادي أو الاختراق السياسي، وهي محاولات تستهدف تفريغ التجربة التنظيمية من محتواها الطبقي الثوري.

لتحويل هذه التحديات إلى إمكانيات ثورية، يحتاج البناء التنظيمي لهذه المؤسسات إلى تجاوز منطق التمثيل البرلماني أو النخبوي إلى منطق الممارسة المباشرة، حيث لا تُفوَّض الإرادة الشعبية إلى وسطاء، بل تُمارَس مباشرة من القاعدة. يمكن لهذه الشبكة التنسيقية أن تتخذ أشكالاً مرنة كمجالس عمومية للمناطق أو لجان تنسيق قطاعية، مع التزام مبدأ التداول الدوري للمسؤوليات والرقابة الشعبية المباشرة والمحاسبة الصارمة. إن الجوهر ليس في الشكل التنظيمي الجامد بل في مضمونه الطبقي المادي: هل تُدار هذه البنى لمصلحة القاعدة الشعبية من العمال والفلاحين والمهمشين أم لحساب فئة جديدة من الوسطاء السياسيين أو الاجتماعيين؟ هذا التناقض الداخلي هو ما يحدد مسار التطور الثوري أو الارتداد البيروقراطي.

تمر عملية تطور السلطة الموازية بثلاث مراحل مترابطة يجب إنجازها عبر الصراع الطبقي. أولاً، مرحلة التأسيس التي تثبت فيها المؤسسات الشعبية قدرتها على إدارة الخدمات الأساسية وتنظيم الحياة اليومية بعيداً عن دولة الطبقة السائدة. ثانياً، مرحلة التوسع التي تتشابك فيها التجارب المحلية ضمن شبكات تضامن وتبادل وتنسيق أوسع وطنياً وقطاعياً، لبناء وحدة طبقية على مستوى الإنتاج والتوزيع. ثالثاً، مرحلة السيادة التي تتحول فيها هذه البنى من إدارة القطاعات الجزئية إلى إدارة المجتمع ككل، وتصبح نواة مادية لسلطة الطبقة العاملة البديلة التي تستمد شرعيتها من الممارسة المباشرة لا من التفويض الانتخابي البرجوازي.

يقوم القانون الجدلي لهذه العملية على تحويل الاضطرار المعيشي إلى وعي طبقي ثوري، والوعي إلى تنظيم ذاتي مستقل، والتنظيم إلى سلطة طبقية بديلة تفرض إرادة المنتجين على الواقع. لكن هذا التحول لا يتم تلقائياً أو في فراغ، بل في مواجهة منظومة كاملة من القوى الطبقية الداخلية والإقليمية والدولية التي تعمل على إعادة إنتاج التبعية وإجهاض الحكم الذاتي الشعبي. فما يواجهه الكادحون في السودان هو ذاته ما تواجهه الطبقة العاملة في أطراف النظام الرأسمالي العالمي، حيث تُعاد صياغة التبعية عبر أدوات مالية ودبلوماسية جديدة.

ومع اتساع سلطة المنتجين وتنظيمهم الذاتي، تتعرى الدولة القديمة وتفقد قدرتها على إدارة المجتمع، لتبدأ لحظة الانتقال الفعلية من سلطة الطبقة السائدة إلى سلطة الأغلبية المنتجة. وهنا يصبح البناء التنظيمي ذاته فعلاً ثورياً لا ينفصل عن مضمون الصراع الطبقي، فالثورة لا تنتصر بالوعي النظري وحده، بل ببناء مؤسسات تحمي هذا الوعي وتحوله إلى ممارسة مستدامة. إن المجالس الشعبية، حين ترتبط بالإنتاج والخدمات وتستند إلى قاعدة جماهيرية واعية بذاتها وبمصالحها الطبقية، تتحول إلى جنين لسلطة الطبقة العاملة وحلفائها من الفلاحين والمهمشين. إن مقاطعة النظام ليست انسحاباً سياسياً بل تأسيساً مادياً لسلطة جديدة، وليست عزوفاً عن الفعل بل انحيازاً لمستقبل تُدار فيه الحياة من الأسفل، بعيداً عن النخب والدولة البرجوازية.

"كل خطوة حقيقية للحركة هي أهم من دزينة من البرامج."
كارل ماركس.

النضال مستمر،،

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي