تجريم انتقاد الانتخابات في المغرب: خصوصية قانونية أم انتكاسة ديمقراطية؟

فريد بوكاس
2025 / 10 / 29

ألمانيا: فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي


مقدمة

بينما تتجه الديمقراطيات الحديثة إلى توسيع فضاءات النقد والمساءلة كضمانة لنزاهة الانتخابات، يختار المغرب اتجاهاً مغايراً عبر مشروع قانون يُجرّم “التشكيك في نزاهة الانتخابات” أو “نشر أخبار من شأنها المساس بصدقيتها”.
هذه الخطوة – التي تبدو في ظاهرها دفاعاً عن العملية الانتخابية – تفتح في جوهرها باباً واسعاً على سؤالٍ جوهري: هل يمكن لدولة أن تُثبت نزاهة انتخاباتها بتجريم من يشكك فيها؟


أولاً: السياق العام لتشريع الاستثناء

منذ إقرار دستور 2011، حرصت الدولة المغربية على تقديم نفسها كحالة إصلاحية متدرجة، قائمة على “الاستقرار السياسي والانفتاح المحسوب”. لكن مسار الثقة في العملية الانتخابية لم يكن يوماً مستقراً؛ إذ رافق كل استحقاق انتخابي نقاش حول استعمال المال، الحياد الإداري، وضعف المشاركة، وتفاوت الفرص بين الأحزاب.
بدلاً من معالجة هذه الإشكالات عبر تعزيز الشفافية، جاء مشروع التعديل الأخير ليُواجه الشكوك القانونية بالنص الجزائي، في مفارقة تُحيلنا من “ديمقراطية تعددية” إلى “ديمقراطية محروسة بالقانون”.


ثانياً: مضمون المشروع وأبعاده

يقترح النص معاقبة “كل من نشر أو وزّع أو بثّ أخباراً زائفة أو وقائع كاذبة من شأنها المساس بنزاهة الانتخابات أو التشكيك في صدقيتها”، بعقوبة تصل إلى خمس سنوات سجناً وغرامات مالية مرتفعة.
تكمن الإشكالية هنا في الصياغة الفضفاضة لعبارات مثل “التشكيك” و“المساس بالنزاهة”، إذ تفتح الباب أمام تأويلات غير محدودة.
فما الذي يميز “التحليل السياسي” عن “التشكيك”؟
ومن يملك حق التقدير: القضاء، أم السلطة التنفيذية؟
بهذه الصياغة، يتحول النص من أداة لحماية النزاهة إلى آلية لتجريم النقد المشروع، يمكن أن تطال الصحفي، والباحث، والناشط، وحتى المواطن الذي يُعبّر عن شكوكه في مواقع التواصل.


ثالثاً: مقارنة دولية – القانون المغربي خارج السرب

من الناحية المقارنة، لا يوجد في العالم المعاصر قانونٌ يُجرّم انتقاد الانتخابات بذاته.
في الديمقراطيات الغربية، تُعتبر حرية التشكيك في نزاهة الانتخابات حقاً دستورياً مشروعاً، ما دام مبنياً على تعبير سلمي ومعلَّل.

في الولايات المتحدة، سمح القضاء الفيدرالي بنقد الانتخابات وحتى التشكيك في نزاهتها باعتبار ذلك “جوهر الخطاب السياسي المحمي” بموجب التعديل الأول للدستور.

في فرنسا، لا يُعاقَب المواطن أو الصحفي إلا إذا نشر “معلومة كاذبة متعمّدة” أثناء فترة الصمت الانتخابي، وليس لأنّه شكّك في نزاهة العملية ككل.

في ألمانيا وكندا، يُجرَّم فقط التحريض على العنف أو التشهير الشخصي، بينما يُعتبر نقد الإدارة الانتخابية جزءاً من النقاش الديمقراطي الضروري.

حتى في دول عربية ذات نظام سياسي مغلق نسبياً، كالأردن أو الجزائر أو مصر، لا يوجد نص قانوني يُعاقب على مجرد “التشكيك في الانتخابات”، لأن ذلك يتناقض مع مبدأ الرقابة الشعبية.
بهذا المعنى، يشكّل المشروع المغربي سابقة تشريعية فريدة، إذ يجعل “الثقة في الانتخابات” مفروضة قانوناً، لا مكتسبة بالممارسة.


رابعاً: البعد الدستوري وحقوق الإنسان

دستور المملكة المغربية (2011) ينصّ في الفصل 25 على أن “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها”. كما ينصّ الفصل 28 على حرية الصحافة، ويحظر أي رقابة مسبقة.
وبالتالي، فإن تجريم “التشكيك في نزاهة الانتخابات” يُعدّ تقييداً غير مبرر لحقٍ دستوري، ما لم يكن مرتبطاً بخطرٍ مباشر وواضح على الأمن العام أو النظام الديمقراطي نفسه.
علاوة على ذلك، فإن العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (1966)، الذي صادق عليه المغرب، يؤكد في مادته الـ19 على أن لكل إنسان الحق في “اعتناق الآراء دون مضايقة”، وأن القيود المفروضة على حرية التعبير يجب أن تكون “ضرورية ومتناسبة ومحددة بدقة”.
وبما أن نص المشروع المغربي فضفاض وغير منضبط، فإنه يتعارض مع التزامات الدولة الدولية في مجال حرية التعبير.


خامساً: القراءة السياسية – القانون كأداة لإدارة الشك

من منظورٍ سياسي، يبدو أن هذا المشروع لا يستهدف الأخبار الزائفة بقدر ما يسعى إلى إدارة الشك الشعبي في المؤسسات التمثيلية.
فبدلاً من فتح باب النقد والمساءلة كوسيلةٍ لاستعادة الثقة، يُراد إسكات الشكوك بالقانون.
إنه منطق "التحكم في الخطاب"، لا في الواقع؛ أي محاولة فرض صورة مثالية للعملية الانتخابية بدل تحسينها فعلياً.
هذه المقاربة ليست جديدة في السياسة المغربية: إذ تُذكّرنا بمرحلة ما بعد 2016، حين واجهت السلطة موجة انتقادات حادة بتشديد المراقبة على الفضاء الرقمي. واليوم، يُستكمل المسار ذاته بنقل هذا التضييق من المجال السياسي إلى المجال القانوني.


سادساً: التداعيات المستقبلية

انكماش الفضاء العمومي: سيؤدي هذا القانون إلى تراجع الخطاب النقدي، وخوف الصحفيين والمحللين من المتابعة القضائية، ما يعني تهميش النقاش العام حول الانتخابات.

تراجع الثقة الشعبية: فالثقة لا تُفرَض بمرسوم. وكلما جُرّم النقد، زاد إحساس المواطن بأنّ العملية تُدار من أعلى لا من صناديق الاقتراع.

انعكاسات دولية: من المرجح أن يُدرَج المغرب ضمن البلدان التي تعرف “تراجعاً في الحريات السياسية”، وهو ما قد يؤثر في علاقاته مع الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المانحة التي تربط دعمها بمعايير الحوكمة والشفافية.

تأثير بنيوي على الأحزاب: إذ سيضعف القانون من قدرة الأحزاب المعارضة على مراقبة العملية الانتخابية أو حتى الاعتراض على نتائجها، مما يُفرغ التنافس السياسي من مضمونه الديمقراطي.


سابعاً: ما بين السيادة القانونية وشرعية النقد

ليست المشكلة في “حماية نزاهة الانتخابات” بل في الوسيلة المستخدمة لذلك.
فالدول الديمقراطية تحمي نزاهتها بالشفافية والمحاسبة والرقابة القضائية، لا بتجريم الآراء.
إن الفصل بين "النقد البنّاء" و"التشكيك الممنوع" أمرٌ مستحيل منطقياً، لأن النقد في ذاته هو تشكيك في الأداء من أجل الإصلاح.
وحين يُصبح التشكيك جريمة، تصبح الانتخابات ذاتها فعلاً مغلقاً لا يقبل النقاش.


خاتمة

إن مشروع تجريم “انتقاد الانتخابات” في المغرب لا يُمثّل خطوة في سبيل الديمقراطية، بل قفزة إلى الوراء في منطق الدولة الحديثة.
فالديمقراطية لا تُقاس بعدد الصناديق ولا بعدد الأحزاب، بل بقدرة المواطن على نقدها علناً دون خوف.
وحين تُجرَّم الكلمة، يُفقد الفعل الانتخابي معناه، وتتحول “النزاهة” من قيمةٍ سياسية إلى شعارٍ قانوني يُفرض بالعقاب.
قد تنجح السلطة في إسكات المشككين، لكنها لن تنجح في إقناع التاريخ بأن الصمت دليل على الثقة.
فالديمقراطية التي تُجرّم الشك، هي ديمقراطية تخشى نفسها.


هوامش ومراجع قانونية مقارنة

ـ دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصل 25 والفصل 28 – النصوص المتعلقة بحرية الفكر والتعبير والصحافة.
ـ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، المادة 19 – حرية الرأي والتعبير.
ـ التعديل الأول للدستور الأمريكي – حماية مطلقة للخطاب السياسي بما في ذلك انتقاد الانتخابات والسلطة التنفيذية.
ـ قانون الانتخابات الفرنسي (Code électoral) – المواد المتعلقة بمكافحة المعلومات الزائفة أثناء الحملات الانتخابية، والتي تميّز بوضوح بين “المعلومة الكاذبة المتعمّدة” و“الرأي أو التحليل السياسي”.
ـ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، قضية Castells v. Spain (1992): أقرت بأن “حدود النقد السياسي أوسع تجاه الحكومة والمؤسسات من الأفراد العاديين، لأنها خاضعة للمساءلة العامة”.
ـ تقارير منظمة فريدوم هاوس وهيومن رايتس ووتش حول حرية التعبير في المغرب (2023–2025)، التي تشير إلى تزايد التشريعات المقيدة للفضاء الرقمي والسياسي.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي