-ذاكرة مؤمن سمير البيضاء، تفض الاشتباك-بقلم/ بهاء الدين حسن

مؤمن سمير
2025 / 10 / 29

الذين ينتقـدون قصيـدة النثـر، ولا يعترفـون بها كلون من ألوان الشعر، يمكنهم أن يفضـوا هـذا الاشتبـاك، وأن يحدثـوننـا عن جماليـات السـرد والصيـاغـة، بعيدا عن شرعية الاعتراف بها كلون من ألـوان الشعر أم لا ، فمـن غيـر المعقــول أن ننتقـد الطبخة دون أن نتذوقها!
إن رفض قصيــدة النثـر هـو رفض لأدونيس والماغوط وعبده وازن وأنسى الحاج وعبدالمنعم رمضـان وفتحى عبدالسميع وخالد حريب وأسامة الدناصورى وغيرهم ممن منحوا قصيدة النثـر تأشيــرة المـرور، لتتربـع على عرش الإبــداع، وتفرض وجودهــا، صحيح أن قصيـدة النثر فتحت البــاب أمام كل مدع، لكن لماذا ننظر إلى عثرات الطريق وننسى المصابيح المضيئة؟
فى ديوانـه "ذاكرة بيضاء" الصـادر عن الهيئة العامة للكتاب، سنة ٢٠٢٢ يؤكد الشاعر مؤمن سمير، أن جمال الإبداع ليس في قولبته، فهــو يقدم ديوانــه وعلى القـارئ أن يصنف نصوصه كما يحلو له، الشاعر يقرأها كنصـوص شعريــة، والناثــر يقرأهــا كنصوص نثريــة، والقـاص يقرأها كنصوص قصصيـة، كل يقـرأ حسب ما يحلو لـه، لكن لا الشاعـر ولا القاص ينكر على مؤمن سمير جماليات إبداعه وطزاجة نصوصه، فهو يجمع فى الديوان بين الشعر والنثر والتصوير والقص والحكي.
فمن "والأحجار أذيب قسوتها بلساني" نقرأ:
"على منصة العبيد والنخاس يحفر صدرى بعصاه، كانت عيونى مذعورة تفر من مخابئها، والخَصى يغمـز هنا وهناك، فيشق العرق جبهتي كأنه السيل.. بجـوارى كان المارد الأسود جسده يبرق، لكن دمعـة فى جانب عينـه أسمعها تخاف وتنقلب حجراً، منذ دهور وأنا قابع هنا، مزروع على كل المنصات، لـم ألفت نظر عابر ولم يفكر أحـد فى اختيـارى رغـم أن الغيمة العجـوز لا تغطى أحـدا سـواى، فى المنصة المقابلة بنات ونساء عرايا بعضهن تشبه القمر وأخريات لا يناسبهن إلا القبر".
ثم يصحبنا مؤمن سمير فى حكاية شعرية أخرى لنقرأ..
"قرب الفجر، أقف فى الشرفة
أجمع الهمسات والأصوات المكتومة
الكذب واللهاث
الغناء والحيرة والصمت والبهجة
أجرهم إلى سريري
وأجلس هادئاً
أتلقى تحيات الأشباح
الذين يدخلون تباعاً".
وفى "حكاية عن كنز الكنوز" يحكى مؤمن سمير:
" كان أبى يعمل على سفينة تنقل الملح من بحر إلى بحر
وكنت ظله الذى يتبعه
بذراع مفتولة وقلب من رصاصة
العفاريت كانت تصاحبنا أحياناً
فتتلون السماء بالوحوش والجميلات والأغانى
وأحيانا تخرج حكايات البحارة من قمراتهم لتدفئ برد البحر
حتى كان يــوم استضفنـا الريح حتى ثملنــا، فاكتسحنــا القراصنـة بيسر الموسيقى و(طراوتها)..أبى أصـر على حمايــة الملح بروحــه، كان يبتهــل ألا يلوث دمه بياض الملح، هذا النور الذى كان يناجيه كلما غفونا ويقول إنه كنز الكنوز".
هــذه بعض نمــاذج من نصـوص الديــوان، الذى تزيــد نصـوصــه عن ستيـن نصاً تتـراوح بين الطــول والقِصر، حتى أن عنـاويـن النصــوص منهــا الطــويـل ومنها القصير المختزل "تحكى الأشجار فى صندوقها كي لا تموت. ملامح منثـورة على السجـاد. دماء تنزل من عينى ـ تصعد وتنطفئ رويداً رويداً. عرفان. تسبيح. حياتي. أيامنا. رنين" .
فى ديوانــه " ذاكـرة بيضاء " يثبت الشاعر مؤمن سمير، أن الشعر تجاوز مرحلة الوقـوف على الأطــلال واستهـلال القصيـدة ببث الأشواق والهيام والتفاخر، وكذلك يثبت أن الشكل التقليــدي للقصيـدة لم يعــد فرضـاً يتقيـد بـه الشاعر، وأن القصيدة يمكن من خلالها للشاعـر أن يحكى قصصـاً ويســرد أحداثاً، ويحكى حكايات تمتزج بالموسيقـا والشـاعريــة، فمؤمن سميـر شاعــر يرضى جميع الأطــراف من محبى القَص والنثر والشعر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت المقالة بالعدد رقم (1319) من جريدة "القاهرة" المصرية، الصادر يوم الثلاثاء 28 أكتوبر2025.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي