|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2025 / 10 / 28
^^ دراسة تحليلية نقدية في بنية النظام السياسي المغربي المعاصر ^^
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي مقيم بالمنفى
ملخص البحث
يهدف هذا البحث إلى تحليل بنية السلطة في المغرب، من خلال تفكيك علاقة المؤسسة الملكية بالحقلين السياسي والاقتصادي، واستكشاف مدى تأثير هذا التداخل على مسار التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان. يعتمد البحث مقاربة تحليلية نقدية تستند إلى الأدبيات السياسية والقانونية والاقتصادية المغربية المعاصرة، مع الاستعانة بتقارير حقوقية دولية. خلصت الدراسة إلى أن طبيعة الملكية التنفيذية في المغرب، وهيمنتها على القرارين السياسي والاقتصادي، تشكّل أحد أبرز العوائق البنيوية أمام تطور النظام الديمقراطي، كما تساهم في إضعاف استقلال المؤسسات وإعادة إنتاج النخبة الاقتصادية والسياسية في إطار «الرأسمالية المخزنية».
الكلمات المفتاحية:
الملكية – المغرب – المخزن – الاعتقالات السياسية – الحقل السياسي – الاقتصاد الريعي – الديمقراطية – الشرعية.
مقدمة
يُعدّ النظام الملكي المغربي نموذجًا فريدًا في العالم العربي من حيث قدرته على الجمع بين الاستمرارية التاريخية والانفتاح النسبي. فمنذ الاستقلال سنة 1956، تمكّنت المؤسسة الملكية من ترسيخ حضورها كفاعل مركزي في الدولة والمجتمع، متجاوزة الأزمات السياسية والإقليمية عبر سياسة التوازن بين التحديث والضبط السياسي.
إلا أنّ هذا التوازن أنتج وضعًا معقدًا تتقاطع فيه الشرعية التاريخية والدينية للملك مع منطق السيطرة السياسية والاقتصادية، ما أثّر على طبيعة الممارسة الديمقراطية، وأفرز ظواهر كالاعتقال السياسي والتضييق على الحريات، مقابل تراكم الثروة في يد النخبة المقرّبة من القصر.
من هنا، تطرح هذه الدراسة سؤالها المركزي:
إلى أي مدى ساهم تمركز السلطة الملكية في المغرب في إعادة إنتاج بنية الهيمنة السياسية والاقتصادية، وما انعكاس ذلك على مسار التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان؟
الإطار النظري والمنهجي
اعتمد البحث المنهج التحليلي النقدي، بالاستناد إلى مقاربات:
ـ النظرية الماركسية للدولة (في تحليل الهيمنة الطبقية والاقتصاد السياسي للسلطة).
ـ نظرية الحقل لبورديو (لفهم تداخل الحقول السياسي والاقتصادي والثقافي في المغرب).
ـ التحليل المؤسسي الجديد (لرصد كيفية اشتغال المؤسسة الملكية كمركز قرار متداخل مع مؤسسات الدولة).
كما اعتمدت الدراسة على تحليل وثائقي لتقارير:
ـ منظمة العفو الدولية (Amnesty International)؛
ـ هيومن رايتس ووتش (HRW)؛
ـ المجلس الوطني لحقوق الإنسان (CNDH)؛
ـ ومقالات أكاديمية مغربية (العدراوي، بوطالب، الهاشمي، وغيرهم).
أولًا: تطور موقع الملكية في النظام السياسي المغربي
1. الجذور التاريخية للشرعية الملكية
ترتكز شرعية الملكية المغربية على ثلاث ركائز أساسية:
الشرعية الدينية: باعتبار الملك "أمير المؤمنين" وفق الفصل 41 من الدستور؛
الشرعية التاريخية: استمرارية الدولة العلوية منذ القرن السابع عشر؛
الشرعية الإنجازية: استنادًا إلى الإصلاحات والمشاريع التنموية الكبرى.
هذه الشرعيات مجتمعة منحت الملك موقعًا فوق المؤسسات، حيث يحتكر صلاحيات تشريعية وتنفيذية ورمزية، رغم مبدأ فصل السلطات الدستوري.
2. الدستور الجديد وحدود التحول
بعد حراك 20 فبراير 2011، جاء دستور 2011 ليمنح الحكومة والبرلمان صلاحيات موسعة نظريًا، لكنّ الفصل 47 والفصل 42 أبقيا للملك صلاحية تعيين الوزراء وكبار المسؤولين وتوجيه السياسات العامة.
هذا ما جعل بعض الباحثين (مثل محمد الطوزي وعز الدين العلام) يتحدثون عن "ملكية تنفيذية" أكثر منها برلمانية، حيث تظل الحكومة خاضعة لإشراف القصر، فيما يحدد الديوان الملكي السياسات الكبرى.
ثانيًا: الحقل السياسي بين التعددية الشكلية والتحكم البنيوي
رغم تعددية الأحزاب وتداول الحكومات، يظل المشهد السياسي المغربي محكومًا بما يسميه الباحث عبد الله حمودي بـ«العقل المخزني»؛ أي منطق الولاء والتبعية لا التنافس الديمقراطي.
تظهر هذه السيطرة من خلال:
ـ هندسة الانتخابات على نحو يمنع هيمنة أي حزب واحد على البرلمان؛
ـ إضعاف المعارضة عبر تفريخ أحزاب موالية أو إدماجها في اللعبة السياسية؛
ـ تحييد الفاعلين الجدد (نقابات، حركات اجتماعية، جمعيات مستقلة) من خلال الضغط القانوني والإعلامي.
النتيجة هي حقل سياسي مفرغ من الفاعلية، حيث تشتغل المؤسسات التمثيلية داخل هوامش محددة سلفًا، بينما يحتكر القصر القرار الاستراتيجي في مجالات الأمن، الدبلوماسية، الاقتصاد، والدين.
ثالثًا: البنية الاقتصادية للرأسمالية المخزنية
1. الاقتصاد الملكي كمحور للثروة الوطنية
تُعدّ المجموعة الملكية القابضة (المدى – SNI سابقًا) أبرز تجلٍّ للارتباط بين السلطة والثروة.
تمتد استثماراتها إلى قطاعات استراتيجية: البنوك، الطاقة، الاتصالات، الزراعة، والعقار.
هذا التمركز جعل من الاقتصاد المغربي مجالًا تهيمن عليه شبكات مصالح مرتبطة بالمؤسسة الملكية، ما يضعف المنافسة ويكرّس اقتصادًا ريعيًا غير منتج.
2. أثر هذه البنية على التنمية
ورغم معدلات النمو المسجلة (بين 3% و5%)، يعاني المغرب من فجوة اجتماعية متزايدة؛ إذ تتركز الثروة في يد أقل من 10% من السكان.
ويربط خبراء (منهم نجيب أقصبي) هذا الوضع بغياب الفصل بين السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية، ما يحول دون بلورة نموذج تنموي قائم على العدالة والشفافية.
رابعًا: الاعتقالات السياسية وحدود الحريات
منذ احتجاجات الريف (2016–2017) وجرادة (2018)، شهد المغرب موجة من الاعتقالات طالت نشطاء وصحفيين، مثل ناصر الزفزافي، عمر الراضي، وسليمان الريسوني.
ورغم نفي السلطات صفة «الاعتقال السياسي»، فإنّ تقارير دولية (Amnesty 2023؛ HRW 2024) تؤكد أن المحاكمات اتسمت بضعف الضمانات القضائية، وأن التهم الجنائية غالبًا ما استُخدمت لتقييد حرية التعبير.
يؤكد هذا الوضع أنّ الهامش الديمقراطي الذي فُتح بعد 2011 آخذ في الانكماش، وأن الاستقرار يتم تأمينه على حساب الحريات الأساسية.
خامسًا: التناقض البنيوي بين الإصلاح والضبط
تحاول الملكية المغربية أن تقدّم نفسها كقوة إصلاحية تقود التغيير ببطء وحذر. غير أن الواقع يُظهر أنّ الإصلاحات تُستخدم أحيانًا لتجديد شرعية النظام أكثر من إحداث تحول حقيقي.
فالدولة الحديثة في المغرب – كما يقول عبد الله العروي – "تتبنى مؤسسات الحداثة دون روحها"، أي دون أن تُحدث قطيعة فعلية مع منطق الحكم التقليدي.
هذا التناقض بين الخطاب الإصلاحي والممارسة السلطوية هو ما يجعل عملية الدمقرطة بطيئة وهشة.
خاتمة واستنتاجات
تُظهر نتائج البحث أنّ المؤسسة الملكية في المغرب تمثل محور النظام السياسي والاقتصادي، ما يجعل أي تحول ديمقراطي مرهونًا بإرادة القصر ذاته.
إنّ الجمع بين السلطة السياسية والهيمنة الاقتصادية يؤدي إلى:
ـ إضعاف استقلال المؤسسات؛
ـ إفراغ الحقل السياسي من محتواه الديمقراطي؛
ـ تكريس اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية؛
ـ تقييد حرية الرأي والتعبير.
وعليه، فإن الانتقال الديموقراطي كما تنص بعض شعارات الحراك المدني – يتطلب:
ـ إعادة توزيع السلطة واستقلاليتها
ـ فصل المصالح الاقتصادية للعائلة الملكية عن الدولة؛
ـ إصلاح القضاء والإعلام بما يضمن المحاسبة والشفافية؛
ـ توسيع الفضاء المدني كقوة رقابية مستقلة.
المراجع :
Amnesty International. (2023). Morocco: Human Rights Report 2023. London: Amnesty Publications.
Human Rights Watch. (2024). Freedom and Repression in Morocco. New York: HRW.
أقصبي، نجيب. (2021). الاقتصاد المغربي بين الريع والتنافسية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.
الطوزي، محمد. (2015). الملكية والإصلاح السياسي في المغرب. الرباط: مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية.
العروي، عبد الله. (1992). مجمل تاريخ المغرب. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
Hammoudi, A. (1997). Master and Disciple: The Cultural Foundations of Moroccan Authoritarianism. University of Chicago Press.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |