الحق في الحكم الذاتي بين جمهورية الريف (1921) والجمهورية الصحراوية (1976): دراسة مقارنة في ضوء الشرعية التاريخية والقانون الدولي .

فريد بوكاس
2025 / 10 / 27

الحق في الحكم الذاتي بين جمهورية الريف (1921) والجمهورية الصحراوية (1976): دراسة مقارنة في ضوء الشرعية التاريخية والقانون الدولي .


ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي مقيم في المنفى


الملخص

يهدف هذا البحث إلى تحليل المقارنة بين حالتين تاريخيتين وسياسيتين في شمال إفريقيا، هما: جمهورية الريف التي تأسست سنة 1921 بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي، والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي أُعلنت سنة 1976 بقيادة جبهة البوليساريو.
تُطرح الإشكالية المركزية حول: من له الحق في الحكم الذاتي الموسّع وفق المعايير الدولية والمعطيات التاريخية؟
تعتمد الدراسة المنهج المقارن والتحليل القانوني–التاريخي، مستندةً إلى مفاهيم الشرعية الوطنية، وتقرير المصير، ووحدة الدولة الترابية.
وتخلص إلى أن جمهورية الريف تمثل تجربة تاريخية ذات شرعية رمزية وطنية داخلية، بينما الجمهورية الصحراوية تمتلك وضعًا قانونيًا دوليًا فعليًا بموجب قرارات الأمم المتحدة الخاصة بتصفية الاستعمار.


مقدمة

تثير مسألة الحكم الذاتي الموسع جدلاً واسعًا في الفكرين السياسي والقانوني، خاصة في الدول التي شهدت صراعات حول الهوية أو السيادة. في هذا الإطار، تُعد تجربتا جمهورية الريف (1921–1926) والجمهورية الصحراوية (منذ 1976) نموذجين مختلفين من حيث السياق التاريخي، والهدف السياسي، والإطار القانوني الدولي.

فبينما ظهرت الأولى في سياق مقاومة الاستعمار الإسباني والفرنسي داخل المغرب قبل استقلاله، نشأت الثانية عقب انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية في إطار نزاع إقليمي ما زال مطروحًا أمام الأمم المتحدة.
تتمحور الإشكالية في السؤال الآتي:


أيّ الكيانين يمتلك الحق القانوني والسياسي في الحكم الذاتي الموسع، وفق مبادئ الشرعية التاريخية ومبادئ القانون الدولي؟


أولًا: جمهورية الريف 1921–1926: الشرعية التاريخية ومحدودية الاعتراف

1. السياق التأسيسي

تأسست جمهورية الريف سنة 1921 إثر انتصار المقاومة الريفية بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي في معركة أنوال ضد الاستعمار الإسباني. كانت الجمهورية محاولة لبناء كيان وطني مستقل، قائم على مؤسسات مدنية وتنظيم إداري متقدم بالنسبة لظروف تلك المرحلة.

2. الطبيعة السياسية والقانونية

لم تكن الجمهورية محاولة انفصالية عن دولة قائمة، لأن المغرب في تلك الفترة كان خاضعًا للحماية الإسبانية والفرنسية.
وبالتالي، فهي تُعد حركة تحرر وطني ضد الاستعمار أكثر من كونها دولة مستقلة بالمعنى القانوني الدولي.

3. غياب الاعتراف الدولي

لم تحظَ الجمهورية باعتراف رسمي من أي دولة أو منظمة دولية، ما جعلها فاقدة للصفة القانونية الدائمة في القانون الدولي.
ومع سقوطها سنة 1926 إثر التحالف الفرنسي–الإسباني، طُويت صفحتها تاريخيًا، لكنها ظلت رمزًا للكفاح الوطني ومصدر فخر في الذاكرة الجماعية المغربية.

4. الوضع القانوني الراهن

من منظور الدولة المغربية الحديثة، لا تُعتبر "الريف" إقليمًا له حق في الحكم الذاتي، بل منطقة تاريخية مندمجة في الإطار الوطني.
وبالتالي، فإن أي مطالب بالاعتراف أو الخصوصية تُصنَّف ضمن مفهوم الجهوية المتقدمة أو اللامركزية السياسية، لا الحكم الذاتي بالمعنى الدولي.

ثانيًا: الجمهورية الصحراوية 1976: من التحرر الوطني إلى النزاع الدولي

1. السياق التاريخي والسياسي

بعد انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية سنة 1975، أعلنت جبهة البوليساريو قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية عام 1976.
جاء هذا الإعلان في سياق نزاع إقليمي بين المغرب، الذي يعتبر الصحراء جزءًا من أراضيه التاريخية، والجبهة التي تطالب بتقرير المصير لشعب الصحراء.

2. الإطار القانوني الدولي

تُدرج الأمم المتحدة الصحراء الغربية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي منذ عام 1963، ما يجعلها خاضعة لقرارات تصفية الاستعمار، خصوصًا القرارين 1514 (1960) و2625 (1970) الصادرين عن الجمعية العامة.
وبناءً عليه، يُعترف للشعب الصحراوي بحق تقرير المصير عبر استفتاء حر أو اتفاق سياسي يضمن الاختيار بين الحكم الذاتي والاستقلال.

3. الوضع الراهن

تعتبر الأمم المتحدة أن النزاع لا يزال غير محسوم، وتقترح "حلًا سياسيًا واقعيًا ودائمًا" يقوم على حكم ذاتي موسع تحت السيادة المغربية كأحد الخيارات المطروحة، مع بقاء مبدأ تقرير المصير كإطار مرجعي.
كما أن الجمهورية الصحراوية تحظى باعتراف عدد من الدول وعضوية كاملة في الاتحاد الإفريقي، ما يمنحها وزنًا سياسيًا في المحافل الإقليمية، وإن لم تنل اعتراف الأمم المتحدة الكامل كدولة مستقلة.


ثالثًا: المقارنة بين الحالتين من منظور الشرعية القانونية والتاريخية

البند المقارنجمهورية الريف (1921–1926)الجمهورية الصحراوية (1976–الآن)السياق التاريخيمقاومة ضد الاستعمار الإسباني والفرنسي في شمال المغربصراع تقرير مصير بعد انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربيةالصفة القانونيةحركة تحرر وطني داخل دولة تحت الحمايةقضية تصفية استعمار خاضعة للأمم المتحدةالاعتراف الدوليلم تحظَ بأي اعتراف رسميمعترف بها من دول عدة وعضو في الاتحاد الإفريقيالأساس في المطالبة بالحكم الذاتيمبرر تاريخي–وطني داخليمبرر قانوني دولي بموجب قرارات الأمم المتحدةإمكانية تطبيق الحكم الذاتي الموسعفي إطار الجهوية المتقدمة داخل المغربكخيار تفاوضي لتسوية النزاع بين المغرب والبوليساريو


رابعًا: تحليل الحق في الحكم الذاتي الموسع

1. في الحالة الريفية

الريف لا يشكّل إقليمًا خاضعًا لتصفية استعمار أو لنزاع دولي، بل جزءًا مكوّنًا من الدولة المغربية الحديثة.
بالتالي، فإن المطالبة بالحكم الذاتي الموسّع تُفسَّر في الإطار الداخلي–الإصلاحي، عبر تعزيز اللامركزية والعدالة الجهوية، وليس كحق تقرير مصير منفصل.

2. في الحالة الصحراوية

الوضع يختلف لأن الصحراء الغربية تتمتع بوضع قانوني خاص في الأمم المتحدة، ما يمنح سكانها حقًا دوليًا في تقرير مصيرهم.
وعليه، يمكن للحكم الذاتي الموسع أن يُشكّل حلًا تفاوضيًا مقبولًا دوليًا إذا تم بإشراف أممي وبموافقة الطرفين.



خامسًا: مناقشة المفارقة بين الشرعية التاريخية والشرعية القانونية

الشرعية التاريخية للريف ترتكز على أسبقية المساهمة في تأسيس الدولة الوطنية، لكنها لا تُترجم إلى حقوق سياسية مستقلة في النظام الدولي.

الشرعية القانونية للجمهورية الصحراوية تستند إلى القانون الدولي لتصفية الاستعمار، حتى وإن كان واقع السيطرة الميدانية مختلفًا.

المفارقة الأساسية تكمن في أن الريف منح الدولة جذورها التاريخية، بينما الصحراء تمنحها اختبارها القانوني والسياسي الراهن.


خاتمة

خلصت الدراسة إلى أن الحق في الحكم الذاتي الموسع يختلف في طبيعته بين الحالتين:

بالنسبة إلى جمهورية الريف، فهو حق رمزي–وطني داخلي يندرج ضمن إصلاحات اللامركزية والديمقراطية المحلية.

أما بالنسبة إلى الجمهورية الصحراوية، فهو حق قانوني–دولي نابع من مبدأ تقرير المصير وقرارات الأمم المتحدة.

إن تحقيق العدالة التاريخية للريف يستوجب إعادة الاعتبار السياسي والاقتصادي والثقافي لتلك المنطقة التي أسست الدولة سنة 1921، بينما حل النزاع في الصحراء يتطلب تسوية تفاوضية عادلة تضمن للشعب الصحراوي حقه في تقرير مصيره ضمن احترام وحدة التراب الوطني المغربي وفق التوافق الدولي.


قائمة المراجع

عبد الإله بلقزيز، الدولة في الفكر العربي المعاصر، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2002.

محمد بن عبد الكريم الخطابي، الريف ودماء الشهداء، دار الفكر العربي، القاهرة، 1958.

René Gallissot, La République du Rif: 1921–1926, Paris, Maspero, 1973.

Yahia H. Zoubir, The Western Sahara Conflict: Towards a Solution?, Routledge, 2010.

قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة: القرار 1514 (1960)، القرار 2625 (1970).

وزارة الداخلية المغربية، الجهوية المتقدمة: نحو نموذج تنموي جديد، الرباط، 2015.

Jacob Mundy, Western Sahara: War, Nationalism, and Conflict Irresolution, Syracuse University Press, 2020.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي