الانتخابات والوهم الديمقراطي

فاتن نور
2025 / 10 / 27



ويتجدّد السؤال ذاته في كل دورة انتخابية: هل ما نعيشه في العراق هو ممارسة ديمقراطية حقيقية أم مجرّد طقس سياسي يتكرر لتجميل وجه السلطة؟

هل غدت الديمقراطية شكلاً بلا مضمون٫وصندوق الاقتراع مجرد ممارسة صورية وواجب شكلي لا قيمة له على مستوى الفرد والمجتمع.

لنكن صادقين في قضايانا المصيرية، ولنقل بثقة عالية إن الديمقراطية في العراق أكذوبة كبرى من أكاذيب الزمن الباهت، حيث تم اختزالها إلى حدث انتخابي لإعادة إنتاج التبعية للزعامات: زعامات سياسية ودينية واقتصادية وميليشياوية.

وكلّنا يدري أن الأحزاب المهيمنة لا تخوض الانتخابات كمنافسين حقيقيين ببرامج مدروسة وبروح وطنية خلاقة، بل كـ”مُلّاك للسلطة” يتكاتفون من أجل توزيعها فيما بينهم ضمن إطارٍ مغلق من المحاصصة المقيتة، تحيل الانتخابات إلى آلية دورية لترويج الفساد وتسويقه، باستثمار صوت الناخب الذي يقف متأرجحًا بين طريق المشاركة في الانتخابات وطريق المقاطعة، حيث لا ضوء يرجّح أحدهما على الآخر، فكلاهما لا يؤمّن بقعة ضوء في نهاية النفق نحو تغيير حقيقي.

سألني بعض الأصدقاء، وكنا نناقش موضوع الانتخابات:

..هل أنتِ مع المشاركة أم المقاطعة، لاسيّما وأنتِ تعرفين جيدًا أن السلطة لا تستمد شرعيتها من صوت الناخب فحسب؟..

أجدني مع المقاطعة بصراحة، بشرط ان تكون مقاطعة حيّة ترتبط بخطاب نقدي صارم أو حركة توعوية بمقدورها إخراج العراق من حفرة الديمقراطية الإجرائية التي فرضها الاحتلال إلى ديمقراطية جذرية تبدأ من القاعدة الجماهيرية، لا من رأس السلطة؛ ديمقراطية لا تستمد شرعيتها الشكلية من الصندوق، بل من الإنسان الرافض للهيمنة، الذي يجرؤ أن يقول “لا” بفم ممتلئ، ويدرك تمامًا لماذا قالها وما وراء قولها من أهداف.

ولكن هل المشاركة تعني التواطؤ مع تدوير الفساد، والتعاون مع الوهم الديمقراطي الذي يمثل العمود الفقري للعملية السياسية التي أنتجها الاحتلال ؟

أم أنها ضرورة رغم قسوتها، لاسيّما أن الناخب يعيش حالة من الاحباط اليومي، حيث لا شواهد ملموسة تلوح في الأفق نحو تغيير حقيقي على مستوى الفرد والمجتمع والدولة؟

وهل المقاطعة، بدورها، تعني بالضرورة الانسحاب تحت ضراوة اليأس واللاجدوى؟

أم هي تعبير صارخ عن رفض هذا الوهم الديمقراطي والتمثيل الزائف الذي يمثل صلب الأزمة في العراق؟

الديمقراطية الحقة هي وعي جمعيّ بمفهوم الأغلبية في سياقاتها السياسية الصرفة، وفعل مقاوم ضد تسقيطها في قمقم الأغلبية ضمن سياقات طائفية أو عقائدية منغلقة.

الديمقراطية ليست نظام حكم فحسب، بل نمط تفكير جماعي ومسؤولية عامة.

كل حوار سياسيّ يصبح ممارسة ديمقراطية إذا تحرر العقل من الوصاية، وإذا تحرر الدين من الكهنوت وعاد إلى مجاله الروحي، وإذا فُصلت الطائفة والمعتقد عن الامتياز السياسي.

هل يمتلك الشعب العراقي اليوم مثل هذا الوعي، وقد داسته، على مدى عقدين من الزمن، عجلات التخريب الثقافي والأخلاقي في إطار عملية سياسية فاشلة منذ بدايتها، تراكم فشلها قيحًا في صدور العراقيين حتى يأسوا من جدوى هذه اللعبة التي يسمونها “انتخابات”، وهي في الحقيقة مهرجان للولاءات ليس إلاّ، حيث الصوت الانتخابي لا يُوزن ببرامجه التنموية وأجنداته الاقتصادية، بل بالانتماء الطائفي أو العشائري أو بالمنافع الانتهازية المباشرة.

العلاقة بين السلطة والفرد لم تعد علاقة مواطنة، بل علاقة ولاء وطاعة فقهية، بعد أن ذابت الحدود بين الفقه والدين، فصار الفقه دينًا، وهذا خلل معرفيّ خطير، إذ إن الفقه مجرّد اجتهاد في الدين، ولا يمكن فرضه كدين.

أخطاء أي عملية سياسية ممكن أن تصحح، ويمكن تجاوز اخفاقاتها بالإرادة والمعرفة؛ الاصلاح ضروري للخلاص من حالة الفوضى والتخبط والإرتجال، وردم مستنقعات الفساد من رأس الهرم إلى قاعدته، وسدّ الفراغات التشريعية.

ولكن ماذا إذا كان الخلل بنيويًا كما في الحالة العراقية؟

هنا يبدو الحديث عن التصحيح والاصلاح محض ثرثرة فارغة ناجمة عن رثاثة فكرية، فيما تبرز الحاجة الملحّة إلى التغيير الجذري لإعادة بناء العملية السياسية من الأساس.

لقد أحسن من قال:

إذا ساسَك رمل، شيفيد تبني قصور

شيفيد القصر لو ساسه بيه خله



October 27,2025

في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن