نهاية الإنسان تبدأ حين ينتمي إلى القطيع

داود السلمان
2025 / 10 / 26

أكبر مشكلة يمرّ بها واقعنا المعاش، اليوم، هي وجود القطيع؛ ذاك الكائن الجماعي الذي لا عقل له، لكنه يملك القدرة على تغيير مسار العقول، وتبديل وجهة الخطى، وسحب الجميع إلى حيث لا يريدون. القطيع لا يحتاج إلى من يقوده - وفي العراق ثمّة من يقوده - ، لأنه يسير بقوة الدفع الجماعي، ويغني عن التفكير بالصوت المرتفع، وعن البصيرة بالصورة اللامعة، وعن الحقيقة بالكثرة المبهرة.
اليوم، لم يعد القطيع حكايةً من عالم الحيوان، بل أصبح مشهدًا من حياة البشر. نراه في الوجوه المتشابهة، في الآراء المنسوخة، في المواقف المتكررة، وفي اللهاث الجماعي خلف كل جديد دون وعي. صار الناس يخافون أن يكونوا أنفسهم، وكأن الاختلاف عيب، وكأن التفكير تهمة، وكأن الصمت هو النجاة الوحيدة من نظرات الاستغراب وأصابع الاتهام. أقول هذا واذكر بالخصوص ما يجري في العراق، على فرد عراقي، أرى وأشاهد ما يجري في هذا البلد "العراق" تحكمه حيتان الفساد، وتسانده اسراب القطيع، يؤيدون ويساندون، ويصفقون ويزمرون، وبالمقابل لا صوت للعقل، ولا رأي للمثقف.
وكلنا على دراية وعلم، في إن القطيع لا يفكر، بل يُفكَّر له. لا يختار، بل ينتظر من يختار عنه (لا تقرأ بل أنا أقرأ وأفسر لك ما في الكتب). إنه يقتل أجمل ما في الإنسان: صوته الخاص. فحين تختفي الأصوات المتفرّدة، يغيب المعنى، وتتحول الحياة إلى صدى باهت لأفكارٍ لم نكتبها نحن، وأحلامٍ لم نحلمها أصلًا.
يولد القطيع في لحظة ضعفٍ صغيرة؛ حين يختار الإنسان السلامة على الموقف، والمجاراة على الصدق. يبدأ بالتقليد الصامت، ثم يتحول إلى اتباعٍ أعمى، حتى يُصبح الفرد جزءًا من موجة لا يعرف إلى أين تمضي. وحين يحاول التراجع، يجد نفسه غارقًا في سيلٍ جارفٍ من التكرار، لا نجاة منه إلا بصرخة وعي، قد تُكلّفه العزلة، لكنها تمنحه الحقيقة.
كم من فكرة عظيمة وُئدت لأن القطيع استهجنها، وكم من باطلٍ انتشر لأن القطيع صفق له!، فالجماهير لا تبحث عن الحق، بل عن ما يُرضيها ويُطمئنها. هي تهرب من التفكير كما يهرب الطفل من الظلام، وتلوذ بالصوت الأعلى ظنًا أنه الأصدق، بفضل رجال الكليروس، من الذين محوا نصيرتهم، وحجروا عقولهم، وضخوا في ادمغتهم: الخرافة والجهل.
في هذا الزمن، لم يعد القطيع يركض في المروج، بل يسكن الشاشات، ومواقع التواصل الاجتماعي. يضغط زرّ "إعجاب" بلا وعي ولا دراية، فيسقط آخرون في هاوية التقليد. يُطلق إشاعة، فتتحول إلى حقيقة. يقرر من تحب، ومن تكره، وماذا تلبس، وكيف تتحدث، حتى ما تحلم به. إنها عبودية جديدة، مغطاة ببريق التديّن.
ومع ذلك، ما زال هناك من يقف خارج الصف، يواجه الموج بصلابة، يختار أن يفكر، أن يسأل، أن يشك، أن يصدق نفسه قبل أن يصدق الآخرين. وهؤلاء قلة، لكنهم جوهر الإنسانية الباقي. فالعالم لا يتغير بالجموع، بل بالأفراد الذين امتلكوا شجاعة أن يقولوا: لا، حين قال الجميع: نعم. وهم من نسميهم "المثقفون"، لكنهم شحة في هذا الزمن، جوهر نادر الوجود.
والحق، إن التحرر من القطيع لا يعني التمرد الأجوف، إذا نريد أن نعلن تحررنا، ولا العزلة المتكبرة، بل هو عودة إلى الذات الأولى، تلك التي خُلقت لتفكر وتختار وتُبدع. أن تكون حرًّا يعني أن تحمل وعيك كمنارةٍ في بحرٍ عاصف، وأن تمضي في طريقك ولو وحيدًا، لأنك تعرف وجهتك (لا تستوحش طريق الحق لقلّة سالكيه).
القطيع يمنحك راحةً مؤقتة، لكنه يسلبك نفسك. يمنحك الأمان، لكنه يسجنك في التكرار. أما الوعي، فهو طريقٌ مليءٌ بالعثرات، لكنه الطريق الوحيد الذي يُعيد إليك ملامحك الحقيقية.
وبالتالي، سيبقى القطيع موجودًا، وسيبقى صوته مرتفعًا، لكنه لن يملك يومًا أن يُطفئ صوت من يفكر، ومن يقول: لا. فكل فكرة حرّة، وكل عقلٍ يرفض الانسياق، هو بذرة مقاومة تُنبت وعيًا جديدًا.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي