مذكرات تشرشل

عبدالله عطوي الطوالبة
2025 / 10 / 26

بمعزلٍ عن الصور النمطية المترسخة في أذهاننا عن بريطانيا، ونحن محقون الى حد كبير، الا أن قراءة مذكرات شخصية تاريخية بوزن تشرشل تقدم للباحث اجابات عن سؤال، كيف أصبحت الدول العظمى على ما هي عليه؟
هنا، نأتي الى الثقافة وأنماط التفكير، وبها تنماز الأمم، ومن غيرها تتميز.
يتحدث صاحب المذكرات عن جبروت هتلر وجنونه وقوة المانيا بقيادته، وعدوانيتها. فقد بدا تشرشل مذهولا، بل ومرعوبا، من سرعة تمدد ألمانيا في أوروبا، بعد اشعالها الحرب العالمية الثانية عام 1939. غزت جحافل الألمان، بلجيكا وتشيكوسلوفاكيا وبولندا وبلغاريا وغيرها من دول أوروبا بسهولة. فرنسا لم تحتمل أكثر من ستة أسابيع، أمام الزحف الهتلري.
أما بريطانيا، فلطالما كانت أسراب الطيران الألماني تغطي سماواتها، وتقصفها من دون رحمة، ملحقة بها أضرارا كبرى بالأرواح والمباني والبنى التحتية وبأسطولها البحري. ورغم قسوة الظروف وشراسة العدو وجبروته، استخدم القوم عقولهم ولجأوا الى التخطيط الهاديء الدقيق، اذ لا مجال للحدس والعواطف. لم يندبوا حظهم، ولم يوعزوا الى دور العبادة بأن تضرع للسماء كي تمحق هتلر وتسحقه، وأن تُرسل اليهم جنودا لا يروها تشتت شمل الألمان وتجعل بلادهم صعيدا زلقا. استنفروا كفاءاتهم العلمية ومصانعهم ومختبراتهم للعمل بالطاقات القصوى، لتنتج تكنولوجيا عسكرية متقدمة تواجه الآلة العسكرية الألمانية المرعبة وتوقفها، على الأقل، ريثما يتم تجميع الحلفاء وحشد قواهم لالحاق هزيمة بالعدو بالضربة القاضية، وهو ما حصل بالفعل.
يقدم تشرشل نفسه سياسيا بارعا، حيث يتجلى ذلك بتحالفه مع الاتحاد السوفييتي السابق ضد العدو المشترك، مع اقراره بأنه "أشد الناس كُرها للشيوعية وعداء لها"( ص 277 ).
في بدايات الحرب، يأخذ على الزعيم السوفييتي الشهير جوزيف ستالين ورفاقة في القيادة، "غفلتهم" عن الوحش النازي و"سماحهم له بأن يأخذهم على حين غرة". ويزيد في هذا السياق القول "بأن روسيا كانت شبه متواطئة مع هتلر وأن سحق الامبراطورية البريطانية في مصلحة روسيا السوفييتية". ولا يتوقف عند هذا الحد، اذ يتحدث صفحة 271 عما يسميه "تخاذل الحكومة السوفييتية عن مواجهة اجتياح المانيا لدول البلقان". لكن بعد اجتياز الدبابات الألمانية للحدود السوفيتية صباح 22 حزيران 1941، ينقلب تشرشل، فيعلن "ان هجوم هتلر على روسيا هجوم علينا جميعا، لأنه بعد روسيا سيهاجمنا، لعلمه أنه ما لم يقضي على بريطانيا، فلا معنى لكل انتصاراته". ويبدي تشرشل في صفحات عدة اعجابه الشديد بالمقاومة الباسلة، التي أبداها الروس في دفاعهم عن بلادهم". ويقدم شهادة للتاريخ، أن المقاومة الروسية هي التي حطمت قوة الجيوش الألمانية وأصابتها باصابات مميتة، كما أنزلت بالطاقات الحياتية للشعب الألماني ضربات قاصمة". ومع اعترافه بأن تحالف بريطانيا مع أعظم دولتين، هما روسيا وأميركا، ضد هتلر أضفى عليه الثقة بالنصر، الا أنه يعيد أسباب تحطيم جيوش هتلر الى أسباب عدة، أهمها: "قوة الحكومة السوفييتية، وصمود الشعب الروسي، والطاقة البشرية الهائلة من الاحتياطي، واتساع البلاد، وقسوة الشتاء الروسي". ونعتقد أنه أصاب الحقيقة في كبدها، بوصفه الروس في الصفحة الخامسة من الجزء الثاني بالشعب الجبار، مؤكدا أن هذا هو السبب الرئيس لحسم الحرب وتدمير جيوش هتلر وهزيمة ألمانيا النازية. وهذه حقيقة لمسها كل من تعامل مع الروس وعرفهم عن قرب، بحكم الدراسة هناك أو العمل. فالقوم طيبون وبسطاء أكثر مما يتهيأ للقاريء، لكنهم لا يتهاونون ولا يتوانون للحظة اذا تعرض وطنهم لخطر. الروح الوطنية لديهم عالية جدا، كما يتميز الروس بقدرات هائلة على التحمل والصبر، مهما قست الظروف.
بعد هزيمة المانيا النازية، لا يتردد تشرشل باستدعاء كراهيته للشيوعية، ويشرع بالتحريض ضد الاتحاد السوفييتي كما كان يحرض ضد هتلر وألمانيا النازية. فقد نحت تعبير "الستار الحديدي" في وصف الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية.
أما نحن العرب، فقد أتى على ذكرنا هنا وهناك ك"ممتلكات" لبريطانيا وفرنسا، حتى بعد احتلال الألمان للثانية. الأمم القوية يذكرها تشرشل بأسمائها الصريحة، أما نحن فيذكرنا بأسماء بلداننا(مصر، سوريا، ليبيا...)، كملاعب للأقوياء المتصارعين وليس كلاعبين. ومما يبعث الأسى في النفس ويثير الغيظ، أننا ما نزال ملاعب للكبار، بعد مرور 76 عاما على انتهاء الحرب العالمية الثانية. وليت تشرشل توقف عند هذا الحد. ليته لم يقل ما قال عنا في الصفحتين قبل الصفحة الأخيرة في مذكراته الواقعة في جزءين و573 صفحة، خصصها بنسبة 99,8% لأحداث الحرب العالمية الثانية ومآسيها وتطوراتها حتى استسلام ألمانيا بلا قيد وبلا شرط. لنقلب الصفحة 291، ونتأمل في الصفحة 292 من الجزء الثاني، قوله :" كانت مشكلة فلسطين من أعقد المشكلات التي واجهتها بريطانيا في الشرق الأوسط...ولقد كنت منذ صدور وعد بلفور في عام 1917، من أخلص أنصار القضية الصهيونية ومؤيديها". هنا تتبدى نزعة الاستكبار والانكار المتغطرس في كاتب المذكرات. فالمشكلة الفلسطينية، التي يقول انها من أعقد ما واجهت بريطانيا من مشكلات، خلقتها بلاده باعترافه هو ولو بجزء من الحقيقة، باشارته الى وعد بلفور و"اخلاصه للقضية الصهيونية".
لم يتوقف المستر تشرشل عند هذا الحد، بل يتحدث بازدراء عن العرب، ويقلب الحقيقة بخصوص استعمار بلاده لبلداننا بكل ما ترتب على هذا الاستعمار من مصائب ما نزال نكتوي بتبعاتها حتى يوم الناس هذا. في الصفحة ذاتها (292 في الجزء الثاني) نقرأ :"لم أشعر قط أن البلاد العربية قد جنت منا الا العدل في معاملتها، فالعرب مدينون لبريطانيا ولبريطانيا وحدها في وجودهم كدول، فنحن خلقنا هذه الدول، فلقد دفعت الأموال البريطانية والمستشارون البريطانيون بها سريعا في طريق التقدم. وكانت الأسلحة البريطانية هي التي تتولى حمايتهم".
ورغم المرارة التي تنعقد في الحلق، خلال قراءة غطرسة واستكبار بهذا الحجم، الا ان صاحب المذكرات يصر على انهائها بصفعة قاسية الوقع على قارئه العربي، وبخاصة الذي يحترم نفسه. يؤكد المستر تشرشل في الصفحة عينها، أن "لهم عددا من الأصدقاء الأوفياء والشجعان في المنطقة". يذكر ثلاثة أسماء من "مؤسسي" بعض البلدان العربية. وفي موازاة ذلك، يدمغ هؤلاء "الأصدقاء الأوفياء والشجعان" بوصف يترفع القلم عن ذكره.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي