|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

سعد العبيدي
2025 / 10 / 25
في صباحٍ دافئٍ من صباحات خريف البصرة، جلست ليلى، معلمة الصف الثالث الإعدادي، خلف مكتبها الخشبيّ العتيق، تراقب فناء المدرسة يزدحم بخطى الطالبات وضحكاتهنّ. كانت تفكر في طريقةٍ تُعيد لعيونهنّ بريق الجدِّ والمنافسة، وفي خضمّ تأمّلها تلك الوجوه المشرقة بحلمٍ لم يتّضح بعد، كانت عيناها تستقرّ دائمًا على سارة. فتاةٌ هادئة الملامح، تمشي بخطواتٍ واثقة كأنها تُخفي فقرها تحت كبرياءٍ جميل. لا تشتكي، ولا تبرر غياب واجب، ولا تُظهر ما تعانيه من ضيق ذات اليد، اعتادت التحدث بثقةٍ تُحرج المعلمة أحيانًا، وكأنها خُلقت لتُذكّر الآخرين أن الفقر امتحانٌ ينجح فيه من لم يفقد الإيمان بنفسه.
تأمّلت وجهها الهادئ، وقالت في سرّها: ما أعجب هذا الصمت يا صغيرتي...! أهو رضًا بما كتب الله، أم كبرياء من وُلدوا كبارًا؟ أعرف قصّتك. أعرف الأب الذي لم يعد من اختطافه، والأم التي تصحو قبل الفجر لتخبز للناس ما لا تملك أن تأكله.
تنهدت بصمت، ثم أغلقت دفتر الحضور ببطءٍ كمن يُغلق بابًا على فكرةٍ تتكوّن في رأسها.
راودتها رغبة خفيفة أن تشتري لـ سارة ما كانت بأمسّ الحاجة إليه "حذاءً مدرسيًا جديدًا يليق بخطاها الهادئة"، لكنها ما لبثت أن تراجعت، تعرف كبرياء في داخلها لا يسمح بقبول عطيةٍ مباشرة، ولا نظرة شفقةٍ عابرة. ابتسمت لنفسها، كمن اهتدى إلى مخرجٍ ذكي، وقالت في سرّها: هي أشطر بنات الصف... ولمَ لا أجعل الهدية جائزةً للتميّز؟ ستكون هي الأجدر بها حتما، فأعلنت أما الصف:
- صاحبة الدرجة الأعلى ما بعد التسعين، ستفوز بجائزة حذاء مدرسي أنيق يلائم العمر.
مرّ الامتحان على غير العادة؛ ضحكاتٌ مكتومة وهمهماتٌ متوترة، وعيونٌ تلمعُ بشغف الفوز أكثر من الرهبة، وحين عادت إلى مكتبها لتصحّح الأوراق، وجدت نفسها تبتسم كلما قلبت ورقةً جديدة، فالإجابات نموذجية، وكأن بنات الصف بأسرهن عقدَن اتفاقًا سرّيًا على التفوّق.
جلست ليلى متحيّرة أمام الأوراق، وقد نلن أغلب الطالبات الدرجة الكاملة. ابتسمت وهي تفكر بطريقةٍ تحفظ عدلها وتشجعهن معًا، ثم قالت في نهاية الحصة: جميعكن تفوقتُنَّ، والهدية واحدة... فليحسمها الحظ.
كتبت الطالبات أسماءهن على أوراق صغيرة، وضعتها في كيسٍ أعدّته مسبقًا، حرّكته قليلًا، ثم مدّت يدها وسحبت الورقة الرابحة، راحت تفتحها ببطء، وفي صوتها شيء من الترقّبٍ:
- سارة.
ارتجّ الصفّ بالتصفيق، وركضت سارة نحو المعلمة، ووجهها يشعّ بفرحٍ لم تعرفه منذ زمن.
كانت تأتي كل يوم بحذاءٍ ممزّقٍ بالكاد يستر قدميها، وها هي الآن تنال حذاءً جديدًا، لا كثمنٍ لتفوّقها فحسب، وإنما كمكافأةٍ صامتةٍ لطول صبرها وإيمانها بأن الغد مهما طال، لا بد أن يبتسم.
بعد الظهر، عادت ليلى إلى بيتها مثقلةً بيومٍ صغيرٍ في أحداثه، كبيرٍ في أثره. ألقت الحقيبة على الكرسي، وجلست أمام زوجها، تحدّثه وعيناها ما تزالان عالقتين بذلك المشهد : تصفيق الطالبات، وابتسامة سارة التي لم تفارق ذاكرتها، كانت كلماتها تتقطع بين الدهشة والعاطفة، فقال لها مبتسمًا، وهو يراقب ارتباكها الجميل:
- يبدو أنكِ فرِحتِ بفوز سارة، فلمَ الحيرة يا ليلى؟
قالت بصوتٍ متهدّجٍ فيه ابتسامة ودمعة: لأنني حين فتحت الصندوق بعد الدرس، اكتشفت أن كل الأوراق تحمل اسمًا واحدًا... سارة.
ساد صمتٌ خفيف في الغرفة، قبل أن يقول الزوج، وكأنه يخاطب شيئًا أكبر من القصة:
- يبدو أن البنات في مدرستك أكثر نضجًا منا نحن الكبار.
ابتسمت ليلى وهي تحدّق في وجه زوجها، وقالت بصوتٍ خافتٍ يشبه الدعاء : كم أتمنى أن نتجرّد من أهوائنا، وأن نمنح أصواتنا للأصلح لا للأقرب، للأصدق لا للأعلى صخبًا...
أن نتعلّم من أطفالنا قبل أن تلوّثهم السياسة، ومن تلك الأمم التي وإن لم تملك نفطًا، امتلكت ضميرًا حيًّا، وإرادةً جعلت الحديد يلين في أيديها، والكلمة تتحوّل إلى وعي، والحلم إلى وطنٍ يُبنى بالحقيقة لا بالأدعية والوعود الكاذبة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |