العلم والدين *

عبدالله عطوي الطوالبة
2025 / 10 / 24

ظهرت الأديان في مراحل تاريخية غابرة، قبل عصر العِلم، انطبعت بطابعها في سياقاتها التاريخية والثقافية. وعليه، من الطبيعي أن تتسم النصوص الدينية بميسم القَدَامة، وينسحب الشئ ذاته على أنظمتها المعرفية، أي السِّحر والأساطير. أما العلم، فيتعامل مع الطبيعة، ومجاله عالم المادة. ومن الطبيعي أن يكون هدفه وسيظل التفسير المادي لظواهر الكون واكتشاف قوانينه. وهذا هو الأساس المكين لما انتجته الإنسانية بالعِلم فحسب، من ابتكارات واختراعات وابداعات. وبما أن العِلم يتعامل مع الطبيعة، وهي مصدر كشوفاته وابداعاته، فإنه ينهض على الملاحظة والتجربة والاستدلال العقلي. في المقابل، المعرفة في الدين مصدرها الإيمان القلبي والثقة العمياء بالنصوص المقدسة، وكتابات رجال الدين المعروفين بالفقهاء. من هنا، فإن المعارف بمنظور الدين في الكتب المقدسة وشروحات الأولين وتفسيراتهم لنصوصها وتعاليمها، ويجب البحث عنها هناك. لا غرابة إذن، أن تكون الأنظار والعقول مشدودة إلى الماضي في المجتمعات التي يسيطر الفكر الغيبي على وعيها الجمعي.
لا يقينيات في العلم، بل افتراضات واحتمالات. العلم ينطلق من السؤال وإليه ينتهي، لأن التغيير والتطوير هما الثابت الوحيد بمعاييره ونهجه. في المقابل، الدين إيمان ويقين، لا مجال فيه للسؤال والشك. العلم تجريب وبرهان، واكتشافات يطورها، وبها يتخطى منجزاته السابقة، والسلطة فيه للعقل. أما الدين، فتسليم وانقياد واذعان، والسلطة فيه للنص. دور العلم نقض السائد الموروث، في مساره الدائم على طريق البحث عن الأفضل والأكثر تقدمًا. لذا، العلم يسائل الوضع القائم في سياقات البحث والتطوير. في الجانب الآخر، يتضمن الدين رؤية للوجود والكون قطعية ذات أجوبة جاهزة متوارثة منذ قرون أفرزتها أزمنة غابرة.
لا يأخذ الفكر الديني بالمنهجية العلمية، سبيلًا لحل المشكلات ومواجهة التحديات. وهذا شأن العقل الكسول الذي يستسهل إحالة المشكلات إلى الغيب، والاستنجاد بالسماء لانقاذه مما يحيق به من أخطار. فعندما يحل وباءٌ ما، يلجأ الدين إلى السماء وشفاعة الصالحين والأولياء لكف أذى الوباء والمن على المرضى بالشفاء. أما العلم، فينهمك في ظرف كهذا بالبحث عن أدوية ولقاحات مضادة ناجعة، لا يكل ولا يمل حتى يتوصل إليها. وفي مواسم الجفاف والقحط، يلجأ الدين إلى صلاة الاستسقاء، فيما العِلمُ يتقصى الأسباب ويشخصها، لاستنتاج الحلول ومنها تكنولوجيا الاستمطار.
نصوص الدين عابرة للزمان والمكان، تتعالى على الخبرة الإنسانية. وبالتعامل معها على هذا النحو، فإنها تُفهم منتزعة من سياقاتها التاريخية، وبالتالي، تُجَمِّدُ التاريخ في زمن ظهورها. وعلى هذا الأساس، يُفهم نفور الدين من التغيير والنظر إليه بعين الشك، إن لم يقابله بالتحريم، وربما التكفير إذا لزم الأمر. من هنا يتضح سر الدور المحافظ الذي يلعبه الدين دائمًا، والذي يؤهله للتوظيف من قِبَل القوى الرجعية والظلامية، من أجل تبرير الواقع القائم والإستكانة لِما اعتاده الإنسان وتوارثه من رؤى، للدين دوره في صياغتها وزرعها في العقول. في رأي معبر بهذا الشأن، يقول اينشتاين:"مشكلة العقل البشري هي أنه يريد أن يُخضع الكون كله للمقاييس التي اعتاد عليها في دنياه هذه. والمصيبة أن الإنسان مؤمن بأن هذه المقاييس النسبية مطلقة وخالدة ويُعدُّها من البديهيات التي لا يجوز الشك فيها. فقد اعتاد على رؤيتها تتكرر يومًا بعد يوم فدفعه ذلك إلى الاعتقاد بأنها قوانين عامة تنطبق على كل جزءٍ من أجزاءِ الكون. جاء هذا الاعتقاد من العادة التي اعتادها، وهو يظن انه جاء من الحقيقة ذاتها". ويضيف اينشتاين: "فالإنسان قد اعتاد على أن يرى الأرض مسطحة وثابتة في مكانها، ثم رأى الشمس تخرج من الشرق وتختفي في الغرب، فاعتقد أن هذا أمر بديهي لا يجوز الشك فيه. ولما جاء كوبرنيكوس يقول بأن الشمس ثابتة بالنسبة للأرض، وأن الأرض هي التي تدور حولها، أزعجه ذلك ولم يأنس إليه إلا بعد كفاح طويل. ولا يزال كثيرٌ من الناس في عصرنا لا يستطيعون التسليم به ابدًا".
*من كتابنا الجديد:(الإنسان والدين/ بعقولها تتقدم الأمم وليس بأديانها).

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي