أسئلة بلا طبقة

عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 10 / 24

العناوين المضلّلة التي تتناسل في فضاء الخطاب السياسي في السياق السوداني، مثل "ماذا يحدث في واشنطن؟" أو "ماذا يدبّر حزب المؤتمر الوطني في الخفاء؟"، هي تعبير عن أزمة بنيوية في الوعي السياسي. فهي تمثل القطيعة المعرفية بين السؤال والتحليل، بين الظاهرة والجوهر، بين الحدث وبنائه الطبقي. هذه القطيعة هي إفراز طبيعي لمنظومة إيديولوجية مهيمنة تعمل على إنتاج عقل منقاد، مستهلك، منفصل عن قدرته على النقد الجذري. إنها أسئلة تكرّس الوهم بأن السياسة هي ساحة للمؤامرات والخفايا، لا تعبيراً عن صراع طبقي تاريخي يشكّل محرك التاريخ الأساسي.

فالحدث السياسي، عندما يُنتزع من سياقه البنيوي، يتحول إلى مجرد ظل بلا جسد، إلى إشاعة بلا حقيقة. واشنطن ليست مجرد عاصمة سياسية، بل هي التجسيد المادي المكثف للرأسمالية الإمبريالية العالمية، المركز الذي تدار منه آليات الهيمنة المالية والعسكرية والثقافية. وكل "تدبير في الخفاء" ليس سوى الوجه الآخر لمنظومة السيطرة التي تعيد إنتاج نفسها عبر وكلاء محليين، مثل حزب المؤتمر الوطني، الذي يمثل البرجوازية الطفيلية السودانية. هذا الحزب لم يكن أبداً فاعلاً مستقلاً، بل كان أداة طيعة في يد القوى الإمبريالية والإقليمية، حلقة في سلسلة طويلة من الوكالة الطبقية التي تعمل على إعاقة أي مشروع تحرري حقيقي.

وعندما تنفصل الأسئلة عن التحليل المادي الجدلي، تتحول إلى ضجيج فارغ، إلى طنين في الفراغ. إن "هل؟ هل؟ هل؟" ليست بحثاً عن الحقيقة، بل هي تكرار آلي لدهشة مشوّشة، تعكس وعياً مغترباً عن طبقته، عن مصالحه، عن حقيقته التاريخية. فالمعرفة الماركسية لا تبدأ من السؤال "المحايد" أو "الحر"، بل تنطلق من موقع طبقي محدد، من انحياز واعٍ للطبقة العاملة ولمشروعها التحرري. إنها ترى في السياسة امتداداً للاقتصاد، وتكثيفاً للصراع الطبقي في أعلى أشكاله، وليست لعبة فوقية منفصلة عن القاعدة المادية للمجتمع.

ومن هذا المنظور، فإن الانخراط في الأسئلة السطحية ليس فعلاً نقدياً، بل هو استهلاك ممنهج للوعي، وإعادة إنتاج للإيديولوجيا السائدة التي تهدف إلى نزع السلاح النظري من الجماهير، وإبقائها في حالة من التيه والتبعية.

أما النضال الحقيقي، فهو لا يقوم على التساؤل المجرد، بل على الفعل المنظم القادر على تحويل الأسئلة إلى أدوات للتغيير. إنه القدرة على تحويل الدهشة إلى فهم، والفضول إلى التزام، والاستفهام إلى برنامج عمل. وكما قال لينين بحكمة ثورية: "بدون نظرية ثورية لا يمكن أن توجد حركة ثورية". فالنظرية هنا ليست ترفاً فكرياً، بل هي سلاح في معركة التحرر، وبوصلة ترشد الحركة الجماهيرية في مسارها نحو التغيير الجذري. بدونها، تصبح الحركة عرضة للانحراف والاستيعاب والتيه.

ولذلك، فإن مواجهة هذه العناوين المضللة تقتضي تعميق التحليل المادي الجدلي، وربط الظواهر السياسية بجذورها الطبقية، وكشف الآليات الخفية للهيمنة الإمبريالية ووكلائها المحليين. إنها معركة وعي ونظرية، هي في صميمها معركة وجودية من أجل تحرير الوعي والإرادة.

وفي هذا السياق، تأتي مقولة أنطونيو غرامشي العميقة: "الجهل الطبقي ليس بريئاً، بل هو سلاح بيد المستغِلين". فالمستغلون لا يكتفون بالسيطرة على وسائل الإنتاج، بل يسعون أيضاً إلى السيطرة على وعي المضطهدين، عبر تغذية الجهل الطبقي وإنتاج أسئلة مزيفة تحجب التناقضات الحقيقية. إن تحرير الوعي من هذا الجهل هو الخطوة الأولى نحو تحرير المجتمع من قيود الاستغلال.

النضال مستمر،،

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي