|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

فاتن نور
2025 / 10 / 23
ما مدى تواطؤ الخطاب الديني مع السلطة من أجل إفراغ الإنسان من قيمته كجوهر وغاية، وتسقيطه عن وعيه وكرامته؟
يبدو أن التحولات الكبرى التي شهدها العراق في بنى وعيه المعرفي وقيمه الاجتماعية أصبحت ظاهرة للعيان، وتنذر بوكود أزمة أخلاقية تجتاح الوعي الجمعي فتزيده تهالكًا في ظل تزاوج سلطة الدين مع سلطة السوق.إذ لم يعد الدين منظومة أخلاقية ذات جوهر توعوي–تحرّري يحترم كينونة الإنسان ويصونها، بل تحول إلى أداة سلطوية توظَّف لترويض الأفراد وضبطهم على هوى السلطتين السياسية والدينية.
السلطة التي تقدّس الإنسان حين يكون صاغرًا لخطابها، هي ذاتها التي تسعى إلى تجريمه حين يحاول التحرر منه. فعندما يمارس الفرد رغبته بصفته الشخصية، تزجره السلطة بذريعة “المحتوى الهابط” الذي يخدش الحياء الاجتماعي من منظورها، حتى وإن جاء ضمن حدود حرية التعبير المكفولة دستورياً. أما حين تمارس السلطة رغبتها بصفة سياسية–دينية–نفعية، يصبح المحتوى الهابط مقدسًا بالفقه والتأويل التسييسي، وإن كان خادشًا ليس للحياء فحسب، بل للجوهر القيمي للأخلاق ذاتها.
ولعل السؤال الأهم هنا: هل المحتوى الهابط هو ما ينتجه الأفراد عبر المنصات الإلكترونية، أم ما تنتجه الدولة حين تترك الأبواب مشرعة للانحطاط المعرفي والأخلاقي باسم الدين والعرف؟ حين تتزاوج سلطة الدين مع سلطة السوق في سياقات تسليع الأخلاق والاتجار بها كمنتجات “حلال”، لابتزاز المجتمع حتى في أعراضه؟ لقد تحولت المنظومة الأخلاقية إلى أداة سلطوية للربح والسيطرة، لا إلى منظومة قيمية لحماية النسيج الاجتماعي من التمزق.
هكذا نشأت أسواق الدعارة “الحلال”، وهي أسواق نفعية تمثل شكلًا من الرأسمالية الأخلاقية التي يُستهلك فيها الإيمان كصورة، وتُباع الفضيلة كمنتج، ويتحوّل الدين إلى ماركات تسويقية تتنافس في ترويج الابتذال وصناعة إنسان ساقط أخلاقيًا يرتدي جلباب الدين والعفة.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز العقائدية الذكورية كقوة صارخة لإعادة إنتاج الهيمنة والقهر في واقع هشٍّ يرزح تحت مطرقتي الحداثة الصورية والوصاية الدينية، حيث يتكامل القمع الرمزي مع الاقتصادي ليشكلا بنية أخلاقية زائفة تحفظ مصالح السلطة لا قيم الإنسان.
في هذا السياق، يبرز “زواج المتعة” كمثال فاضح: أليس شكلًا من أشكال المحتوى الهابط المشرعن؟ أليست المتعة الجنسية البحتة حين تتخذ صيغة الزواج نوعًا من تسفيه مؤسسة الزواج نفسها؟
فالزواج رباط إنساني–وجداني مقدس، لا يقوم على المتعة العابرة، بل على العدالة والرحمة والمسؤولية والاستدامة. أما “زواج المتعة”، فهو عقد إيجار مؤقت لأفراد تم اختزالهم إلى رغبات مؤقتة، في نظامٍ ديني–سوقي لا يرى في الإنسان سوى وسيلة للمتعة أو الربح.
ومع أن الدولة العراقية لم تنجح في إنتاج تعريف واضح لمفهوم “المحتوى الهابط” في قانون مستقل، ولجأت إلى ربطه بمصطلحات فضفاضة متروكة لاجتهاد الأجهزة الرقابية، مثل “الحياء الاجتماعي” و“الذوق العام” و“التحريض على الكراهية” و“السلم الأهلي”، نجدها قد اعتمدت فعليًا على بعض مواد قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 / المواد 401–404 لمعالجة قضايا المحتوى الهابط قضائيًا.
وهذا يفتح باب التساؤل حول مدى تقاعس السلطة التشريعية عن أداء مهامها في سدّ الفراغات التشريعية، وما إذا كان هذا الغموض يمثل أحد أشكال السيطرة القانونية المرنة التي تتيح للسلطة توظيف الأخلاق كأداة ضبط لا كمنظومة قيم.
أختم بقوله تعالى: والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (المعارج: 29-31)
العادون" في القرآن تعني المتجاوزون والمعتدون على حدود الله أو ما شرّعه لهم، انهم من يخرجون عن طريق الحلال إلى الحرام، ويتعدون ما أحل الله لهم من أمور الحياة. وتتضمن هذه الحدود: الأوامر والنواهي، والفرائض، والمعاملات، وحدود الزواج والطلاق.
October 23, 2025
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |