|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2025 / 10 / 21
«جيل زد 212… احتجاج أم وعي جديد؟ أم هو جيل الملك القادم ؟ قراءة نقدية في ملامح الجيل المغربي الغاضب»
ألمانيا: فريد بوكاس، صحفي باحث و ناشط سياسي
مقدمة
يعيش المغرب منذ خريف 2025 على وقع ظاهرة اجتماعية جديدة تحمل اسم جيل زد 212، نسبة إلى رمز الهاتف الدولي للمغرب (+212). ظاهرة لم تأتِ من رحم الأحزاب ولا من صفوف النقابات، بل من عمق الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث قرّر جيل كامل أن يعبّر عن غضبه بلغته الخاصة: قصيرة، ساخرة، وسريعة الانتشار.
لكن السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح نقديًا ليس هو «ماذا يريد جيل زد 212؟»، بل ما الذي يكشفه ظهوره عن خلل بنيوي في الدولة والمجتمع؟ وهل هو فعل وعي سياسي جديد أم مجرد موجة احتجاج رقمية قد تنطفئ كما اشتعلت؟
أولًا: دلالات الحضور المفاجئ
1. تسييس اللاسياسة
جيل زد 212 لم يولد في حضن الأيديولوجيات، بل في زمن السياسة المنفّرة. معظم أعضائه لا يثقون في الأحزاب ولا في البرلمان ولا حتى في الخطاب الرسمي عن «النموذج التنموي الجديد». ومع ذلك، فقد مارسوا فعلًا سياسيًا أصيلًا: النزول إلى الشارع، وتحدي اللامبالاة العامة.
هنا تكمن المفارقة: جيل يعلن رفضه للسياسة لكنه يمارسها دون أن يسميها كذلك. وهذا يعكس تحوّلًا عميقًا في معنى الفعل السياسي لدى الشباب المغربي — من الانتماء إلى المبادرة، ومن التنظيم إلى العفوية.
2. فشل القنوات التقليدية
صوت جيل زد 212 ليس صرخة معزولة، بل نتيجة مباشرة لفشل المؤسسات الوسيطة: أحزاب تكلّست، نقابات تآكلت، ومجتمع مدني غارق في التمويل أكثر من التمثيل.
الحكومة، في خطابها، تردّد وعود التشغيل والإصلاح، بينما يعيش الشباب واقعًا من التهميش الاقتصادي والاجتماعي. إنّ كل صمتٍ رسميٍّ هو وقود جديد لهذه الحركة.
ثانيًا: نقد الخطاب الشبابي نفسه
إذا كان من السهل تفهّم غضب الشباب، فإن الحركة ذاتها ليست بريئة من الثغرات التي قد تعيق تحوّلها إلى مشروع تغيير فعلي.
1. غياب العمق الفكري
جيل زد 212 يرفع مطالب عادلة، لكنه يعاني من فقر في التصور. لا رؤية اقتصادية، ولا برنامج سياسي، ولا تحليل هيكلي. اللغة السائدة في منشوراته تجمع بين الغضب الشعبي والتعبير العاطفي أكثر من التحليل الواقعي.
الاحتجاج حق، لكن التحول إلى قوة اقتراح يحتاج إلى فكر أكثر من فيدوهات تيك توك.
2. فوضى الخطاب الرقمي
منصات الحركة مفتوحة لكل الأصوات، وهو ما يمنحها قوة الانتشار لكنه أيضًا يجعلها عرضة للتضليل والتسييس الخفي. بعض الأصوات الخارجية تحاول استغلال الغضب الشعبي لتأجيج الصراع، فيما تغيب آليات التحقق والمساءلة داخل فضائها الرقمي.
وهنا تظهر المعضلة: كيف يمكن لحركة لا تملك قيادة ولا ميثاقًا أن تحمي نفسها من الانزلاق أو التوظيف؟
3. المبالغة في الرمزية
تجنّب الحركة مواجهة الملك بشكل مباشر يُظهر وعيًا بحدود الخط الأحمر في السياسة المغربية، لكنه في الوقت نفسه يجعلها عالقة بين الجرأة والاحتشام.
فهي ترفع شعارات العدالة والكرامة دون تحديد الطرف المسؤول عن غيابها. هذا الغموض، وإن كان مفيدًا لحماية المشاركين، إلا أنه يُضعف خطابها السياسي ويُبقيه رمزيًا أكثر من كونه عمليًا.
ثالثًا: الدولة بين التجاهل والاحتواء
من زاوية نقدية، تعامل السلطة مع الحركة يعكس ذكاءً تكتيكيًا أكثر من كونه استجابة إستراتيجية.
فقد فضّلت الدولة حتى الآن أسلوب التهدئة والتجاهل النسبي بدل القمع المباشر، على أمل أن تخمد الموجة ذاتيًا. لكن هذا الخيار قصير المدى.
فالاحتجاجات وإن تراجعت ميدانيًا، إلا أنها تجذّرت نفسيًا في وعي الشباب. تجاهلها اليوم يعني مضاعفة غضبها غدًا.
في المقابل، لا تبدو هناك مبادرة رسمية جادّة لاحتواء طاقات هذا الجيل في مشاريع سياسية أو اقتصادية فعلية. إنّ الاكتفاء بالخطابات حول “النموذج التنموي” لم يعد يُقنع أحدًا، لأن الجيل الجديد يريد نتائج ملموسة لا شعارات تحديثية.
رابعًا: قراءة في عمق الأزمة
من الخطأ النظر إلى جيل زد 212 كظاهرة ظرفية؛ إنها مرآة أزمة بنيوية تمتد إلى جذور النظام الاجتماعي والسياسي المغربي.
إنها علامة على تصدّع العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين الشباب، وعلى فشل المدرسة والجامعة وسوق الشغل في منح معنى للانتماء.
جيل لا يجد نفسه في المؤسسات ولا في الخطاب الرسمي، فيخلق لغته ومساحته الخاصة. هذه لغة اللاانتماء، لكنها أيضًا لغة البحث عن هوية وطنية جديدة.
خامسًا: نحو أفقٍ إصلاحي لا احتجاجي فقط
حتى لا يتحول هذا الغضب إلى يأس، يجب أن يُستثمر في مشروع وطني جديد يعيد الثقة بين الدولة وشبابها.
ذلك يمر عبر ثلاث خطوات نقدية جوهرية:
الاعتراف بأن الحركة ليست «مؤامرة» ولا «موضة»، بل تعبير عن فشلٍ تراكمي في السياسات العمومية.
التحاور مع ممثلي هذا الجيل، ولو كانوا غير منظّمين، عبر آليات رقمية ومجالس شبابية حقيقية.
التمكين الفعلي: لا بالمنح والبرامج الورقية، بل بخلق فضاءات للشغل والإبداع والمشاركة السياسية.
خاتمة
جيل زد 212 ليس جيل الملك الجديد بعد، لكنه مرآة لملكٍ جديد قادم لا محالة — ملكٍ سيُحكم عليه بالنجاح أو الفشل بقدر ما يستطيع احتواء هذا الجيل ودمجه في مشروع الدولة.
هو جيل لا يخاف، لا يقدّس الرموز كما فعل السابقون، ولا يطلب المستحيل. فقط يريد أن يعيش بكرامة في وطن يسمع صوته.
إنّ النقد الحقيقي لا يُوجّه إلى الشباب الذين خرجوا إلى الشارع، بل إلى من جعلوا الشارع هو المكان الوحيد المتبقي للقول.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |