البنك المركزي العراقي بين مُتطَلَبّات التبعيّة وضرورات الاستقلال

عماد عبد اللطيف سالم
2025 / 10 / 20

بموجب القسم (1) – الغَرَض- من قانون البنك المركزي العراقي رقم 56 لسنة 2004 المُعدّل.. "يُنشيء هذا الأمر– القانون بنكاً مركزيّاً آمناً وقويماً ومُستقِلاًّ بغية تحقيق الأغراض التالية: استقرار الأسعار في البلاد والمحافظة على ثباتها، العمل على إيجاد ورعاية نظام مالي يعتمد على السوق وعلى المنافسة ويكون مستقراً، وتعزيز التنمية المستدامة واستدامة التشغيل والرفاهية في العراق".
وبموجب المادة ثانياً – 2- (الصفة القانونية والاستقلال) من هذا القانون فإنّ:
"البنك المركزي العراقي يتمتّع بالاستقلال فيما يقوم به من مساعٍ بغية تحقيق أهدافه وتنفيذ مهامه، ويخضع للمسائلة وفقاً لما ينصّ عليه هذا القانون، ولا يتلقى البنك المركزي أيّة تعليمات من أي شخص أو جهة، بما في ذلك الجهات الحكومية إلاّ فيما ورد فيه نص يقضي بغير ذلك في هذا القانون، ويتم احترام استقلال البنك المركزي العراقي، ولن يسعى أي شخص أو جهة من أجل التأثير على نحو غير ملائم على أي عضو من أعضاء أيّة هيئة لصنع القرار تابعة للبنك المركزي العراقي فيما يتعلّق بالقيام بواجبات وظيفته تجاه البنك، ولن يقوم أي شخص أو جهة بالتدخل في نشاط البنك المركزي العراقي".
تُرى هل يقوم البنك المركزي بالعمل والإدارة على وفق قانونه الأساس؟
هل يتمتّع بـ "الاستقلال"؟
هل تريدونَ أهمّ الأمثلة على ذلك، وليس كلّها؟
- ألم يكن قرار "طرد" محافظ البنك المركزي الأسبق (سنان الشبيبي) و "نائبه" قراراً تم اتخاذه من قبل رئيس مجلس الوزراء الأسبق، لأنّ "مُحافِظ البنك المركزي" رفض أن يتدخّل شخصٌ أو جهة ما بعمل البنك؟
- من قام بـ "تعيين" المُحافِظين اللاحقين، أو"تكليفهم"، أو"توكيلهم" (أو حتّى ترشيحهم).. أليس هو رئيس الحكومة أيضاً، وفي مختلف الحكومات؟
- هل كان البنك المركزي العراقي هو من قام بتغيير سعر الصرف في حكومة السيد الكاظمي؟
- هل كان البنك المركزي العراقي هو من قام بتغيير سعر الصرف بعد مدة قصيرة جدّا من تشكيل حكومة السيد السوداني، واستناداً إلى "وعدٍ انتخابيّ"، وليس إلى أيّ منطق أو مبرّر اقتصادي مقبول ومعقول؟
والآن..
هل إنّ من بين وظائف البنك المركزي تبرير أخطاء الحكومات وتسويقها على أنّها "منجزات" غير ضارّة بالناس والاقتصاد؟
لقد أعلن البنك المركزي العراقي يوم أمس الاحد 19-10-2025، (وبعد إن "زَعَلَت" الحكومة كما يبدو من اعلان السيد المحافظ لتفاصيل مُهمّة عن الدين العام، الداخلي والخارجي، ما كان عليه إعلانها للرأي العام)..
- أنّ نسبة الدين العام لا تتجاوز 43 بالمئة، وأنها ضمن الحدود الآمنة.
- وأنه "في إطار الشفافية المالية وتوضيحاً لما يرد في بيانات الدَين العام والعجز، يودُّ البنك المركزي العراقي إيضاح ما ورد في وسائل الإعلام، أن العجز المخطط في قانون الموازنة العامة الثلاثية التي أقرها مجلس النواب للسنوات (2023، 2024، 2025) بلغ بمقدار 191.5 تريليون دينار، في حين بلغ العجز الفعلي للسنوات الثلاث المذكورة مبلغ 35 تريليون دينار، تم تغطيتها داخلياً بسندات وحوالات ووفقاً للأبواب الواردة في قانون الموازنة".
- وأن “الاقتراض الفعلي بلغ نسبة 18,2 % من العجز المخطط الوارد في قانون الموازنة، وبما يعكس مستوى التنسيق العالي بين الحكومة والبنك المركزي العراقي في السيطرة على الدين العام وعدم بلوغه المستويات العالية التي وردت في قانون الموازنة”.
-وأن “الديون الخارجية الواجبة السداد لا تتجاوز 13 مليار دولار بعد استبعاد (ديون النظام السابق المعلقة وغير المطالب بها)، ولم يتخلف العراق عن سداد أي التزام محتفظاً بسمعة مالية ممتازة إقليمياً ودولياً بهذا الشأن”.
- وأن “الدين الداخلي البالغ 91 تريليون دينار، يمثل 56 تريليون دينار المتراكم لغاية نهاية عام 2022، والمبالغ المضافة هي 35 تريليون دینار ديون السنوات (2023، 2024، 2025)، ومعظم الدين الداخلي ضمن الجهاز المصرفي الحكومي”.
- وأنّهُ “نظراً لوجود حسابات وودائع للحكومة في المصارف الحكومية، فإن لجان مختصة وشركات استشارية دولية تعمل على تحويل جزء من هذه الديون إلى أدوات استثمارية ضمن صندوق وطني لإدارة الدين الداخلي بهدف تحويل الالتزامات إلى فرص استثمارية”.
- وأن “نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لم تتجاوز 43% وتعد هذه النسبة – وفق التصنيف المتعارف عليه دولياً – معتدلة وضمن الحدود الآمنة ولا تشكل عبئاً على الاقتصاد”.
وهذا هو ما أعلنَ عنه أيضاً (وفي التوقيت ذاته)السيد مستشار رئيس مجلس الوزراء للشؤون المالية، الدكتور مظهر محمد صالح.
هذه "الإعلانات"، وفي هذا التوقيتِ بالذات، تجعل البنك المركزي يعمل لخدمة أهداف "سياسية" وليست فقط أهداف "اقتصادية" للحكومة الحالية، ويجعلُ منه "هيئة حكومية" غير "مُحايِدة" وغير "مُستَقِلّة"، وفي وقتٍ حسّاسٍّ وحَرِج، هو وقت الانتخابات.
ومن خلال هذه "الإعلانات" يُخفي البنك المركزي العراقي الكثير من مشاكل وأزمات الاقتصاد الخطيرة(والدين العام الداخلي والخارجي يُعَد جزءاً مهمّاً منها، ولا ينبغي الاستخفافُ به، وتسويغه بنسب ومعايير حمّالةُ أوجه).. مع أنّهُ (وبحكم الاختصاص) يُعَدُ الأكثرُ درايةً منّا جميعاً بالتفاصيلِ والدلالاتِ والمُقدّماتِ والنتائجِ والتبعات.
أخيراً..
لماذا لم يقُل لنا البنك المركزي أنّ من دواعي القلق الشديد أن يكون هناك عجز فعلي في الموازنة العامة بأكثر من 35 ترليون دينار خلال السنوات الثلاث الأخيرة، في الوقت الذي كان فيه متوسط اسعار النفط (كمُعدّل) بحدود 75 دولارا للبرميل، وبصادرات بلغت أكثر من 3.3 مليون برميل يوميا، وفي الوقت الذي كان هناك فائض من الاموال في وزارة المالية يُقدّر بأكثر من 22 ترليون دينار.. وأنّ ممّا يُثيرُ القلق أكثر أن هذا العجز تم تمويله من الاقتراض الداخلي الذي أصبح هو الأكبر والأعلى في التاريخ المالي للعراق، وبأكثر من 91 ترليون دينار ؟؟!!
المرفق:
قانون البنك المركزي العراق رقم 56 لسنة 2004
https://iraqieconomists.net/ar/wp-content/uploads/sites/2/2021/02/%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%83-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%8A-%D8%B1%D9%82%D9%85-56-%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A9-2004-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%AF%D9%84.pdf

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي