سياسة الريع في المغرب: مقاربة تحليلية في الاقتصاد السياسي للامتيازات

فريد بوكاس
2025 / 10 / 20

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي

ملخّص

تسعى هذه الدراسة إلى تحليل ظاهرة الريع في المغرب من منظور الاقتصاد السياسي، باعتبارها أحد أهم العوائق البنيوية أمام التنمية والعدالة الاجتماعية. يُظهر التحليل أنّ الريع في المغرب ليس مجرد ظاهرة اقتصادية مرتبطة بسوء توزيع الموارد، بل هو بنية اجتماعية-سياسية متجذّرة تشكّلت تاريخياً في سياق بناء الدولة الحديثة. ويركّز المقال على تطوّر هذه البنية، وآثارها على الاقتصاد والمؤسسات، ومحاولات الدولة الحدّ منها عبر الإصلاحات القانونية والمؤسساتية.

1. مقدّمة

تُعدّ سياسة الريع من أبرز الإشكاليات التي واجهت الاقتصاد المغربي منذ الاستقلال إلى اليوم. فهي تعبّر عن نمط من العلاقات بين الدولة والنخب الاقتصادية والسياسية، يقوم على منطق الامتيازات بدل الكفاءة، وعلى التوزيع الزبوني للثروة بدل الإنتاجية والمساءلة.

ويكتسي موضوع الريع أهمية خاصة في السياق المغربي لكونه يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والثروة، ويؤثر بشكل مباشر على فعالية السياسات العمومية ومصداقية النموذج التنموي.

إنّ تحليل هذه الظاهرة يقتضي تجاوز المقاربة الاقتصادية الضيقة نحو مقاربة سوسيولوجية وسياسية تأخذ بعين الاعتبار البنية التاريخية للعلاقات الريعية، وطبيعة الدولة المغربية كدولة ريعية هجينة تجمع بين آليات السوق وآليات الامتياز السلطوي.

2. الإطار المفاهيمي: تعريف الريع وتمظهراته

يُعرّف الريع، في الأدبيات الاقتصادية، بأنه كل دخل يتحقق من دون مساهمة إنتاجية فعلية، أو من خلال استغلال موقع احتكاري، أو امتياز يمنحه النظام السياسي أو الإداري لفئة معينة.
وفي السياق المغربي، يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات أساسية للريع:

ريع اقتصادي: يتمثل في الامتيازات المرتبطة برخص النقل، واستغلال المقالع، والصيد البحري، والعقار العمومي، وصفقات الدولة.

ريع سياسي: يقوم على منح الامتيازات والمناصب مقابل الولاء السياسي أو الصمت تجاه السلطة.

ريع اجتماعي وإداري: يظهر في آليات التوظيف غير العادل، وتوزيع الدعم العمومي، وتخصيص الأراضي أو المناصب دون معايير موضوعية.

تُنتج هذه الأشكال شبكةً معقدة من المصالح المتداخلة التي تُفرز طبقة من “المنتفعين” تهيمن على الموارد وتتحكم في مسارات التنمية.

3. الجذور التاريخية لسياسة الريع في المغرب

يرتبط أصل الريع في المغرب بمرحلة بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال (1956)، حين اعتمدت السلطة المركزية سياسة توزيع الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية من أجل ضمان الاستقرار السياسي واحتواء مراكز النفوذ التقليدية.

فقد كانت الدولة، في سياق هشاشة المؤسسات الديمقراطية وضعف البنية الإنتاجية، بحاجة إلى خلق تحالفات مع النخب المحلية والاقتصادية عبر تبادل المنافع.

ومع مرور العقود، تحوّل هذا النمط إلى بنية متجذّرة تتوارثها الأجيال داخل النخب، بحيث أصبح الريع آلية لإعادة إنتاج النفوذ الاقتصادي والسياسي في آنٍ واحد.

كما ساهمت مرحلة التقويم الهيكلي في الثمانينيات في توسيع دائرة الريع، حيث انفتح الاقتصاد المغربي على الخصخصة والتحرير التجاري دون إطار مؤسساتي صارم، مما مكّن فئات محدودة من الاستفادة من ثروات الدولة دون منافسة حقيقية.

4. الريع كعائق بنيوي للتنمية

تُظهر المعطيات الاقتصادية أنّ الريع يشكّل أحد أهم العوامل التي تُضعف الإنتاجية والتنافسية في الاقتصاد المغربي.
فهو يؤدي إلى:

ـ تشويه آليات السوق من خلال منح الامتيازات على أسس غير تنافسية؛

ـ إضعاف الاستثمار المنتج بسبب انحراف رأس المال نحو أنشطة ريعية سريعة الربح؛

ـ تفكك الثقة المؤسسية نتيجة إدراك المواطنين أنّ النجاح لا يرتبط بالكفاءة بل بالعلاقات الشخصية والسياسية؛

ـ توسيع الفوارق الاجتماعية والمجالية، إذ يتركّز الريع في أيدي أقلية من المستفيدين.

وبالتالي، فإن اقتصاد الريع لا يقتصر ضرره على المستوى الاقتصادي، بل يُضعف كذلك المشروعية السياسية للدولة ويكرّس منطق “الزبونية” على حساب المواطنة.

5. العلاقة البنيوية بين الريع والسياسة

إن العلاقة بين الريع والسياسة في المغرب علاقة تبادلية ووظيفية، فالسلطة تستخدم الريع كأداة لإعادة إنتاج الولاءات السياسية وضمان الاستقرار، بينما تعتمد النخب الاقتصادية والسياسية على الريع كوسيلة للحفاظ على النفوذ.
وهكذا، يصبح الريع آلية للضبط الاجتماعي والسياسي أكثر منه انحرافاً اقتصادياً فقط.
وتتجلى هذه العلاقة في ظواهر متعددة مثل:

~ تمويل الحملات الانتخابية عبر الأموال الريعية؛
~ خلق “اقتصاد ظلّ” متداخل مع أجهزة الدولة؛
~ مقاومة اللوبيات لأي إصلاحات تمسّ امتيازاتها.

6. الريع والعدالة الاجتماعية

يتناقض منطق الريع جذرياً مع مشروع العدالة الاجتماعية والمجالية. فهو يكرّس اللامساواة في الولوج إلى الموارد، ويُضعف الحراك الاجتماعي، ويُفرغ السياسات العمومية من بعدها التوزيعي.
إنّ تحقيق العدالة الاجتماعية في المغرب لا يمكن أن يتم دون تحرير الاقتصاد من منطق الريع، وربط الثروة بالمجهود والإبداع، لا بالقرابة والولاء.

7. نحو اقتصاد إنتاجي قائم على الشفافية

إن تجاوز منطق الريع يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تقوم على ثلاثة مستويات مترابطة:

~ مؤسساتي: عبر تفعيل مبدأ المحاسبة، واستقلالية القضاء، والشفافية في تدبير المال العام.
~ اقتصادي: من خلال تشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وإعادة توجيه الدعم نحو القطاعات ذات القيمة المضافة.
~ ثقافي وقيمي: بتعزيز ثقافة الاستحقاق والكفاءة، ونشر الوعي المجتمعي بمخاطر الامتيازات غير المشروعة.

إن بناء اقتصاد إنتاجي لا يتحقق إلا بفكّ الارتباط بين الثروة والسلطة، وجعل السوق تحكمها قواعد العدالة والمنافسة.

8. خاتمة

تُظهر دراسة سياسة الريع في المغرب أنّها ليست ظاهرة عرضية أو ظرفية، بل بنية تاريخية متجذّرة في طبيعة الدولة والمجتمع.

وإذا كانت الدولة قد حقّقت خطوات مهمة في كشف بعض مظاهر الريع، فإن التحدي الحقيقي يكمن في تفكيك أسس المنظومة الريعية عبر إصلاح سياسي ومؤسساتي عميق.

فلا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة أو عدالة اجتماعية أو ديمقراطية اقتصادية في ظل اقتصاد قائم على الامتياز لا الإنتاج.

إن التحرر من الريع هو المدخل الضروري لبناء مغرب جديد، يقوم على الشفافية والمساءلة والمواطنة الاقتصادية.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي