|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
بلقيس خالد
2025 / 10 / 19
ما لا تدركهُ عين الشاعرة
بعد أن أهدتني الحياة ضحكة حفيدتي (رينا) التي عبرت عتبة امتحانات الرابع الاعدادي بسلام. قرار النزهة كان أمرا حتميا.. كورنيش شط العرب، الجديد الذي نراه ( كشخة البصرة).
تتمايل الأمواج كأَذرع الراقصات الصينيات ، والكورنيش يضيء بمصابيح ترسم خيوط الذهب على صفحة الماء. والنسمات العليلة تُقبّلُ وجوهنا بين الحين والآخر، حاملة شذا البساتين.
على الضفة الأخرى من الكورنيش، تصطف أكشاك الباعة، لوحة صاخبة من الألوان والأطعمة: آيس كريم، عصائر، دولمة، همبركر..، ودلة القهوة الجكليتية التي يحملها بائعها بصبر.
فوق رأس بائع آخر، تعلو بالونات ملونة بأحلام ديزني، وتجوب الممشى شخصيات كرتونية تبيع الوهم للأطفال بألف دينار للقطة. وفنان تشكيلي يغوص في عدة ألوانه، يرسم على وجوه الصغار لوحات تحاكي بريق أحلامهم. وعلى متن الشط، الزوارق تتثنى، وأصوات سائقيها تصيح في الفراغ: جولة نهرية بألفين النفر.
وفي لحظة استغراق، جر انتباهي خيط نحيل من الهمس: جدتي، ألستِ أنتِ شاعرة؟
ابتسمتُ، واجبتها متسائلة: لماذا هذا السؤال؟ هل نسيم الليل وصوت الأمواج جعلك ترغبين بسماع الشعر؟.
قاطعتني: لا، ولكني أتساءلُ كيف لشاعرة أن تحتمل رؤية كل هذه الطاقة السلبية في هذا المكان؟
استغربتُ! طاقة سلبية! لماذا؟ ألا تحبين صوت الأمواج، وألوان الزوارق، وصورة القمر المنعكسة في الشط؟
أشاحت بوجهها نحو المارة، وبصوت خفيض قالت: بل انظري إلى الناس كيف يسيرون بصمت، كأنهم ينتظرون كارثة ستحدث! انظري إلى تلك الزوجة التي لا تنظر إلى شيء وفي قلبها غصة، بينما زوجها منشغل عن عينيها بهاتفه؛ عراكها معه قبل المجيء ما زال محفوراً في قسمات وجهها، وها هي بين الحين والاخر تزجر أبناءها لتفرغ غضبها. انظري إلى تلك العائلة، يسيرون واحدا خلف الآخر كأنهم موكب جنازة صامت، والنسوة الجالسات هناك، عيونهن مراقب قاس يتصفح وجوه النساء بغيرة وحسد.
ثم أشارت إلى شاب وسيم: حتى هذا الشاب، ملامحهُ تنكمش وتنفرج، وهو يحاول إقناع فتاته بأمر يخص مستقبلهما، ربما ترفض أن تكون كنَّة لأسرة كبيرة، وتطلبُ بيتا صغيرا خاصا بهما!
حتى الباعة هنا يخيم عليهم صمت مريب، ربما يتساءلون في دواخلهم: لِمَ لم أكن أنا وأسرتي مثل هؤلاء المتنزهين؟ لِمَ أنا هنا أحاول جاهدا بيع بضاعتي لأعود بمال لا يكاد يسد حاجة زوجتي وأبنائي، بينما هم ينتظرونني بفارغ الصبر؟
صمتُ، والصمت فرض فراغا، كأنه زمن بين زمنين، قبل أن تضيف هي بهمس توضيحي:
أتدرين يا جدتي أين تكون النزهة الحقيقية والمكان المشع بالطاقة الإيجابية؟ في الأسواق، في الأسواق تختلف وجوه الناس، تشع فيها مسرات الاقتناء، والباعة ترتفع أصواتهم بالمباهج، وأيادي الناس محملة بأكياس ألوان الأفراح. حتى الألوان التي تبدو باهتة على فرشاة ذلك الفنان الحزين، تختلف في الأسواق، تبدو أكثر إشراقا وبهجة.
اصغي لهمس حفيدتي.. وثمة سؤال يهاجم روحي:
هل الأماكن تلبس ثوبها من طبيعتها، من الماء والخضرة وضياء الشمس ونور القمر... أمْ تُعرّى وتُكسى من نفوس العابرين؟.
| في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن | في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن |