ومضة ضوء : غزة بين الوهم والواقع .

محمد سعد خير الله
2025 / 10 / 19

غزة بين الوهم والواقع .

ظهر يوم الأحد الموافق الثاني عشر من أكتوبر، وقبل
يوم واحد من قمة شرم الشيخ للسلام، أجريت مقابلة
مع الإعلامية سماح حسنين عبر إذاعة راديو مكان التابعة
لهيئة البث الإسرائيلي باللغة العربية، للحديث عن خطة
ترامب بشأن غزة والقمة المرتقبة في اليوم التالي.

خلال اللقاء، أشرتُ إلى نقطةٍ محوريةٍ لم تنل ما تستحقه من الانتباه، وقلتُ إنها قد تتسبب في تفجير اتفاق وقف إطلاق النار. ففي يوم الجمعة العاشر من أكتوبر، أصدرت الحركات الثلاث: حماس، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بيانًا مشتركًا رفضت فيه أيَّ وصايةٍ أجنبيةٍ على غزة، مؤكدةً أن إدارة القطاع شأنٌ فلسطينيٌّ خالص.

وأوضحت أن هذا الموقف يتعارض جذريًا مع عدد من
البنود الجوهرية في خطة ترامب بشأن غزة.

فالبند الأول نصّ على أن تكون غزة منطقة خالية من
التطرف والإرهاب، وألا تشكّل تهديدًا لجيرانها.

كما نصّ البند التاسع على أن تُدار غزة بواسطة سلطة
انتقالية مؤقتة تشرف عليها لجنة فلسطينية تكنوقراطية وغير مسيّسة، تتولى إدارة الخدمات العامة والبلدية اليومية لسكان القطاع.
أما البندان الثالث عشر والرابع عشر فقد تضمّنا إلزام حماس والفصائل الأخرى بعدم أداء أي دور في حكم غزة، بشكل مباشر أو غير مباشر، مع النص الصريح على تدمير البنى التحتية العسكرية والإرهابية، بما في ذلك الأنفاق ومنشآت إنتاج الأسلحة، وحظرٍ تام لإعادة بنائها.

إلى هنا انتهى الاقتباس من لقائي، غير أن ما تلا ذلك أثبت
أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا لما هو مكتوب
في الخطط والوثائق.

فخلال عملية تسليم الرهائن الإسرائيليين، تفاجأ العالم بمئات العناصر المنتمين لحركة حماس وكتائب القسام يخرجون في استعراضات منظمة، وهم في حالة بدنية عالية توحي بأنهم كانوا في معسكرات إعداد وتجهيز متكاملة، لا في منطقة يصوّرها الإعلام الدولي على أنها تعاني مجاعة خانقة.

الأسلحة التي حملوها بدت جديدة تمامًا، والمركبات التي استخدموها لم يظهر عليها أي أثر لاستهلاك، ما أثار تساؤلات عميقة حول حجم الموارد والتسليح داخل الحركة رغم كل
ما يُقال عن الحصار والفقر والمعاناة.

بعد يوم، انعقدت قمة شرم الشيخ للسلام التي تابعها العالم وسط تصريحات متفائلة من الرئيس الأمريكي وقادة العالم، ولا سيما دول الترويكا التي شاركت الولايات المتحدة توقيع وثيقة المؤتمر: الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

أكدت الوثيقة الموقعة مبادئ التسامح والاحترام والمساواة بين جميع البشر، وضمان أن تكون المنطقة فضاءً يسوده السلام والأمن والازدهار الاقتصادي، بعيدًا عن أي تمييز
عرقي أو ديني. كما أرست رؤية شاملة تقوم على الاحترام المتبادل ووحدة المصير لتحقيق السلام والرخاء المشترك.

لكنني كنت متوجسًا وبشدة من هذا الخطاب المفرط في التفاؤل، والذي يتناقض جوهريًا مع النهج الفعلي لدول الترويكا: مصر وقطر وتركيا، التي تتشارك رغبة راسخة في إبقاء حركة حماس داخل المشهد بأي وسيلة ممكنة.

وتعززت شكوكي بضعف مستوى التمثيل الرسمي للدولتين الأكثر تأثيرًا في ملفات المنطقة؛ إذ غاب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والرئيس الإماراتي محمد بن زايد، واقتصر تمثيل بلديهما على وزير الخارجية السعودي ونائب الرئيس الإماراتي.

ذلك الغياب لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل مؤشرًا سياسيًا واضحًا إلى أن وراء الأكمة ما وراءها وهنا لنا عودة في
نهاية المقال.

وما هي إلا ساعات قليلة بعد قمة شرم الشيخ حتى كان
العالم كله على موعد مع مشاهد كارثية من داخل قطاع
غزة، تُظهر انهيار الأمن وسيطرة الميليشيات، وتحوّل
القطاع إلى مسرح مفتوح للفوضى والعنف المنظّم، في
دلالة مؤلمة على أن الواقع لا يرحم الخطابات الحالمة ولا الوعود الدبلوماسية المنمقة.

فقد شهد القطاع خلال الأيام الأخيرة انفجارًا دمويًا داخليًا يعيد للأذهان مشاهد الفوضى التي عرفها العالم في ذروة تمدد تنظيم داعش.

رُصدت إعدامات ميدانية نفذتها عناصر حماس بحق العشرات من سكان القطاع، في مشاهد صادمة بثّتها مقاطع مصوّرة وشهادات موثوقة، أظهرت عمليات قتل فورية في الشوارع دون أي محاكمات أو إجراءات قانونية.

وامتدّ العنف ليشمل قصفًا بأسلحة ثقيلة استهدف منازل عائلة دغمش في مدينة غزة، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين ودمار واسع، في انتهاك صارخ لأبسط معايير العدالة والإنسانية.

وفي سياق توزيع الأدوار، صرّح نائب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي، محمد الهندي، لقناة الجزيرة قبل ثلاثة
أيام قائلًا: "إن فصائل المقاومة لم تتفق على نزع السلاح،
ولن نقبل التهديد بنزعه بالقوة. كما نرفض تعيين مفوض
سامٍ دولي لإدارة غزة، فذلك تدخل خارجي غير شرعي."
كلامه هذا يؤكد أن الأمور تمضي نحو تفجير الاتفاق واستئناف الحرب في غزة.

وهنا أعود إلى الموقف السعودي الإماراتي وما كشفه
الكاتب الصحفي الإسرائيلي داني زاكين في مقال نشرته صحيفة إسرائيل هيوم بعنوان: "عملية إنهاء الحرب على وشك الانهيار التحذير الاستثنائي من السعودية والإمارات".
قال زاكين إن السعودية والإمارات نقلتا تحذيراتهما إلى الإدارة الأمريكية عبر ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مشيرتين إلى أن الوسطاء " مصر وقطر وتركيا " يتساهلون مع حركة حماس بشأن مسألة نزع السلاح.

وأكد أن استمرار هذا التساهل قد يؤدي إلى تآكل الاتفاق وإفشال عملية وقف إطلاق النار، مما يهدد استقرار القطاع ويعقّد جهود إعادة الرهائن.

وفي أحدث مناشداتهم لواشنطن، حذّر السعوديون من أنه إذا لم يُتخذ موقف حاسم وتعديل مسار الوسطاء لتطبيق بنود الاتفاق مع حماس، فإن المملكة لن تشارك في المرحلة المقبلة من العملية ولا في مؤتمر إعادة الإعمار المزمع عقده في القاهرة الشهر القادم، وهو الموقف ذاته الذي تتبناه الإمارات وإن كان بحدة أقل.

الخلاصة أن كل ما سبق يؤكد استحالة التوفيق بين رؤى متناقضة؛ بين دولٍ تسعى بصدق إلى إحلال السلام، وأخرى تستثمر في العداء والكراهية، وتوهم العالم بأنها تعمل من أجل استقرار الشرق الأوسط، بينما هي في الواقع تتقن فنون دعم حركة إرهابية بكل الوسائل الاحتيالية التي لا تمتّ بصلة إلى سلوك الدول المسؤولة.

وعليه، فإن عودة الحرب تبدو حتمية، إلا إذا حدثت معجزة في زمنٍ ودّع فيه العالم المعجزات.

وكلمة أخيرة أوجّهها إلى كل من يدعم حركة حماس حول العالم: هل كنتم لتقبلوا أن يحكم النازيون ألمانيا بعد
استسلامها عام 1945؟
فالحركات الإسلامية المتطرفة ليست سوى النازية بثوب
هذا العصر...

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر