|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2025 / 10 / 18
ألمانيا : فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي
مقدمة
في السنوات الأخيرة، أصبحت السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة أكثر حضوراً وجرأة في الساحة العربية، وتجاوزت حدودها التقليدية القائمة على الاقتصاد والدبلوماسية إلى أدوار أكثر تأثيراً في المشهد السياسي الداخلي لعدد من الدول.
من أبرز المناطق التي تشهد اهتماماً متزايداً من أبوظبي، المنطقة المغاربية، التي تضم المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، وموريتانيا.
ورغم البعد الجغرافي النسبي بين الخليج والمغرب الكبير، إلا أن التحركات الإماراتية هناك تثير جدلاً متنامياً حول طبيعتها: هل هي شراكات استراتيجية مشروعة؟ أم تدخلات تمسّ السيادة الوطنية لهذه الدول؟
دوافع الحضور الإماراتي في المغرب الكبير
1. هواجس ما بعد الربيع العربي
شكّل "الربيع العربي" نقطة تحوّل في السياسة الإماراتية، التي تبنّت موقفاً معارضاً للتغييرات الثورية ولصعود التيارات الإسلامية السياسية، خصوصاً جماعة الإخوان المسلمين.
ومن هذا المنطلق، ترى الإمارات أن الاستقرار السياسي عبر أنظمة قوية ومتماسكة هو الخيار الأنسب لمواجهة ما تعتبره "فوضى الثورات".
هذا الموقف انعكس على مواقفها في تونس وليبيا، حيث دعمت أطرافاً سياسية وأمنية تُعارض الحركات ذات المرجعية الإسلامية أو الثورية.
2. منافسة القوى الإقليمية
تسعى الإمارات لفرض نفوذها في الفضاء العربي والإفريقي في مواجهة قوى إقليمية أخرى كتركيا وقطر، اللتين تمتلكان حضوراً متجذراً في شمال إفريقيا.
وبذلك، تتحول المنطقة المغاربية إلى ساحة تنافس ناعم بين محاور مختلفة، تستخدم فيها الأدوات الاقتصادية والإعلامية وحتى الاستخباراتية.
3. الاعتبارات الاقتصادية والجيوسياسية
تمتلك الدول المغاربية أهمية اقتصادية واستراتيجية، سواء من حيث الموقع الجغرافي المطلّ على البحر المتوسط، أو لكونها بوابة نحو إفريقيا.
كما ترى الإمارات في الاستثمار في هذه المنطقة فرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي وربطها بمشاريعها الكبرى مثل «موانئ دبي العالمية» وشركات الطاقة والنقل.
آليات التدخل وأشكاله
1. الإعلام والتأثير في الرأي العام
أشارت تقارير إعلامية عديدة إلى أن الإمارات تستخدم منصات رقمية وحسابات إلكترونية للتأثير في النقاشات الداخلية لبعض الدول المغاربية.
ففي المغرب مثلاً، اتُّهمت حسابات مقرّبة من الإمارات بشن حملات ضد مؤسسات وشخصيات سياسية مغربية، ما أثار غضباً شعبياً ورسميّاً باعتبار ذلك "مساساً بالشأن الداخلي" (العربي الجديد، 2023).
2. الدعم السياسي والمالي
في تونس، نُشرت تقارير إعلامية عن لقاءات جمعت مسؤولين إماراتيين بشخصيات سياسية وأمنية تونسية خلال السنوات الماضية، بهدف "إعادة ترتيب المشهد السياسي"، وفق ما نشرته تقارير في موقع الجزيرة عام 2018.
كما وُجّهت اتهامات غير مباشرة لأبوظبي بمحاولة التأثير في قرارات سيادية كتطبيع العلاقات مع إسرائيل، من خلال ضغوط مالية ودبلوماسية على كل من تونس وموريتانيا.
3. التدخل العسكري غير المباشر
تُعتبر ليبيا أبرز ساحة للتدخل الإماراتي في المغرب الكبير، إذ دعمت أبوظبي قوات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر بالسلاح والمال، بل واتُّهمت بشنّ غارات جوية لصالحه في بعض المعارك، وفق تقارير الأمم المتحدة ومصادر غربية.
ورغم تبرير الإمارات لتدخلها بأنه "محاربة للإرهاب"، فإن ذلك ساهم في تعميق الانقسام الليبي وتأخير التسوية السياسية.
4. الأداة الاقتصادية والاستثمارية
تستخدم الإمارات قوتها المالية لبناء نفوذ سياسي عبر بوابة الاقتصاد، من خلال مشاريع كبرى في الموانئ والطيران والبنية التحتية.
في المغرب، توسعت استثمارات الإمارات في مجالات العقار والطاقة، بينما تراجع الزخم السياسي بين البلدين بسبب مواقف متباينة من ملفات إقليمية، مثل الأزمة الخليجية وقضية الصحراء الغربية.
المواقف الرسمية المغاربية :
الجزائر: سياسة الحذر والرد الصريح
تتبنّى الجزائر موقفاً حذراً من التحركات الإماراتية، خصوصاً تلك التي تراها متماهية مع أجندات خارجية. وقد عبّر مسؤولون جزائريون عن رفضهم لأي محاولة للتأثير في المواقف السيادية، مؤكدين أن "الجزائر ليست ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية".
تونس: بين الشكوك والانفتاح الحذر
في تونس، أثار الحضور الإماراتي جدلاً منذ الثورة، خاصة بعد تقارير عن تمويل أحزاب إعلامية أو محاولات لدعم تغييرات سياسية.
ورغم أن العلاقات بين البلدين تشهد فترات من الانفتاح، إلا أن الذاكرة السياسية التونسية ما تزال تحمل شكوكاً تجاه أي دعم إماراتي "مشروط".
المغرب: من القطيعة للتبعية
ـ تمويل وسائل إعلام أو مؤسسات ضغط سياسية تروج لمواقف قريبة من التوجه الإماراتي.
ـ محاولات التأثير في القرار الخارجي المغربي، خاصة في ما يتعلق بالأزمات الإقليمية مثل اليمن وليبيا.
ـ حملات إعلامية ضد بعض الشخصيات أو الأحزاب المغربية التي لا تتوافق مع السياسات الإماراتية .
التدخل أم النفوذ المشروع؟
التمييز بين التدخل والنفوذ المشروع ليس أمراً سهلاً. فكل الدول تمارس شكلاً من أشكال التأثير الخارجي، لكن الفارق يكمن في حدود هذا التأثير وأهدافه.
حينما يتحول الدعم الاقتصادي أو الإعلامي إلى وسيلة لتوجيه القرار الداخلي أو التحكم في مسار سياسي، فإن ذلك يُعدّ تدخلاً صريحاً في الشؤون الداخلية.
أما حين يكون التعاون قائماً على الندية والمصالح المشتركة، فهو يدخل في نطاق العلاقات الاستراتيجية الطبيعية.
التداعيات والآثار المحتملة
تآكل السيادة الوطنية: إذ يشعر المواطن المغاربي أن قراره السياسي لم يعد نابعاً من الداخل.
الاستقطاب الداخلي: تدخلات الخارج تُعمّق الانقسام بين النخب السياسية، وتخلق أزمات ثقة.
إضعاف التعاون المغاربي: كلما تدخل طرف خارجي في سياسات دول المنطقة، زادت الهوة بينها وتراجعت فكرة الاتحاد المغاربي.
تغذية الصراعات الإقليمية: كما في ليبيا، حيث أدى التدخل الإماراتي إلى تصعيد ميداني بدلاً من التسوية.
خاتمة
تبدو الإمارات العربية المتحدة اليوم فاعلاً محورياً في المشهد العربي، تحاول من خلال استراتيجيتها الإقليمية الجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن في مشروع نفوذ واسع.
لكن في المنطقة المغاربية، لا يمكن تجاهل أن هذا النفوذ يتقاطع أحياناً مع حساسيات تاريخية وسياسية عميقة، مما يجعل أي تحرك خارجي يُنظر إليه بريبة.
إن ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس مزيداً من الاستقطاب، بل شراكات متوازنة تقوم على احترام السيادة الوطنية، وتجنّب تحويل الخلافات الإقليمية إلى أدوات ضغط داخلية.
فالتجارب أثبتت أن أي تدخل في الشأن الداخلي، مهما كانت نواياه المعلنة، يترك آثاراً طويلة الأمد على الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويقوّض ثقة الشعوب في مؤسساتها.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |