بغداد تتفوق على برافدا في الخيال السياسي

كرم نعمة
2025 / 10 / 16
لم تكن صحيفة برافدا، بكل إرثها السوفييتي في الدعاية، لتجرؤ على تلفيق خيال بهذا الرخص.
لكن صحيفة عراقية فعلت، حين عنونت صفحتها الأولى بعبارة: "العراق يضع فيتو على مشاركة نتنياهو في قمة شرم الشيخ للسلام."
فيتو عراقي؟
على نتنياهو؟
منح الخيال السياسي أجنحته، وطار بعيدًا عن الواقع حتى لامس العبث.
ليس في السياسة ما يُدهش بعد، لكن ثمة حدود للوهم. هل بمقدور حكومة الإطار التنسيقي، برئاسة محمد شياع السوداني، أن تفرض شروطها على رئيس حكومة إسرائيلية يواجه قادة العالم باستعلاء وغطرسة في حرب ابادة استمرت عامين في غزة؟
الجواب لا يحتاج إلى تحليلٍ معقد.
فالعراق الذي يعجز عن حماية سمائه من الطائرات الإسرائيلية وهي تقصف إيران، لا يمكنه أن يمنع نتنياهو من حضور قمة شرم الشيخ فقط ليكون السوداني هناك كتفصيل صغير لاكمال المشهد التلفزيوني.
كان حضور العراق في شرم الشيخ تفصيلًا تكميليًا في الصورة، لا في الحدث. حتى موقع السوداني في الصورة الجماعية كان عند الحافة، حيث تُوضع الوجوه التي يُستدعى حضورها لا تأثيرها.
هناك، وقف رئيس حكومة الإطار التنسيقي، صامتًا، في لقطةٍ رمزية لحدود الدور العراقي في مشهد إقليمي لا ينتظر منه شيئًا.
ثم جاءت الصفعة الدبلوماسية من واشنطن. ترامب، بخطابه الأسطوري كرجل يدير نادي السلام الدولي، قالها علنًا: "العراق معنا هنا في شرم الشيخ، وهذا البلد يمتلك كميات هائلة من النفط ولا يعرف كيف يتصرف بها."
عبارة تكشف عمق النظرة الأميركية لبغداد: دولة غنية بالنفط، فقيرة بالقرار.
الفساد والتهريب والولاءات الولائية كلها مكونات مشهدٍ واحدٍ يراه الأميركيون بوضوح، بينما يتجنب السوداني الردّ حتى لا يُغضب الحليف الذي يحمي حكومته من الانهيار.
فكيف إذن يضع العراق "فيتو" على نتنياهو؟
هل يُعقل أن تملك بغداد حق الاعتراض على مشاركة رئيس حكومة إسرائيلية، بينما تكتفي بالصمت أمام اختراقات الطائرات الإسرائيلية لأجوائها خلال قصفها أهدافًا إيرانية؟
كل ما فعلته حكومة الإطار التنسيقي آنذاك أنها هرعت إلى واشنطن، طالبةً الحماية بموجب الاتفاقية الأمنية.
دولة تستنجد بالأميركيين لحماية سمائها لا تملك ترف الاعتراض على حضور الإسرائيليين في قمةٍ إقليمية.
ثم جاءت العقوبات الأميركية الأخيرة على شركة المهندس، الذراع الاقتصادية للحشد الشعبي، لتذكر السوداني بأن حدود سلطته تُرسم في واشنطن لا في بغداد.
مسؤول أميركي كبير قالها بوضوح، وإن بصوتٍ منخفض: "تقييد وصول العراق إلى عائداته النفطية ما زال مطروحًا على الطاولة." تهديد لا يحتاج إلى تنفيذ لتتحرك حكومة الإطار وفقه. فالخوف وحده كافٍ ليحول القرار العراقي إلى ردّ فعلٍ دائم.
منذ الغزو الأميركي عام 2003، بقي النفط هو الأداة الحقيقية للنفوذ الأميركي. لم يكن السلاح ولا القواعد العسكرية وحدها، بل السيطرة المالية التي تجعل بغداد رهينةً لموافقة الخزانة الأميركية.
إنه الشكل الحديث من الوصاية، حيث لا تحتاج واشنطن إلى إرسال جنديٍ واحد كي تتحكم في مصير حكومة كاملة.
أما إسرائيل، فلم تعد تنظر إلى العراق كخصمٍ أو خطرٍ محتمل. المشهد في تل أبيب واضح: الميليشيات الولائية التي ترفع شعار "الموت لإسرائيل" مجرد صدى صوتي صادر من بغداد بتوقيتٍ إيراني.
عندما تقرر طهران خفض الصوت، يصمت الجميع. إنها ظاهرة صوتية لا أكثر، الميليشيات العراقية تتحدث عن إسرائيل كما لو كانت في خطابٍ تعبويٍّ قديم، بينما الواقع يمرّ من فوقها بطائرات إسرائيلية لا تواجه مقاومة تُذكر.
وحين يصل العبث مداه، يظهر قيس الخزعلي ليمنح الخيال نكهة الأسطورة. فلم يكن بعيدا عن مانشيت الصحيفة العراقية الأرخص من عناوين برافدا السوفيتية، عندما قال إن الموساد استخدم "عاهرة" لتدبير اغتيال الإمام علي بن أبي طالب في القرن السابع الميلادي!
وهكذا أدرجت المخابرات الإسرائيلية تصريح الخزعلي، في أرشيفها تحت عنوان "التاريخ الكوميدي". مع هامش بسيط: "تأسس الموساد عام 1949."
حتى برافدا في أوجها لم تبلغ هذا الحد من السذاجة. لكن الصحيفة العراقية اليوم كما الخزعلي تجاوزتها، حين زعمت أن السوداني وضع فيتو على حضور نتنياهو.
وفي اليوم ذاته، عاد السوداني من القمة بتوبيخٍ علني من ترامب حول فساد تهريب النفط.
المفارقة هنا ليست في الكذب ذاته، بل في الثقة بقدرة الكذب على صناعة وطنية وهمية.
إنها النسخة العراقية من برافدا، حيث تتحول الدعاية إلى بديلٍ عن الدولة، والوهم إلى سياسة.
كل ما تغيّر أن البوق لم يعد سوفيتيا، بل عراقيا يتحدث بلسان الخدمات الصحافية مدفوعة الأجر والولاء لا السيادة.
الوهم في العراق لم يعد مجرد زلة في الخطاب، بل منظومة دعائية كاملة، تتغذى على الخوف من الحقيقة. تُدار من طهران، وتُسوَّق من بغداد، وتُموَّل من نفطٍ لا يعرف أحد أين يذهب.
الدعاية هنا لا تُقنع، بل تُخدّر. إنها تخديرٌ لغويٌّ يغطي الفراغ السياسي. وتغشي العيون عن الحقيقة، تتحول فيها مفردات مثل السيادة والقرار الوطني إلى رموزٍ بلا معنى، تُردَّد فقط لإبقاء الصدى حيًا في الفراغ.
وهكذا، حين تقول صحيفة عراقية إن بلادها وضعت “فيتو” على نتنياهو، فإنها لا تكذب بقدر ما تكشف عجزها عن مواجهة واقعها. تُعلن بطولتها في العناوين لأنها فقدتها في الميدان.
ذلك هو جوهر الوهم الإيراني المستمر في العراق: إنتاج صورة وطنية من أصواتٍ مستعارة، وإيهام الناس بأن الصراخ يمكن أن يُترجم إلى سلطة.
اللغة صارت بديلاً عن الفعل، كما كانت في برافدا يوم كانت الإمبراطورية السوفيتية تحتضر وهي تزعم أنها تتعافى.
وهكذا يبدو المشهد العراقي اليوم: بلدٌ يتحدث كثيرًا عن السيادة، لأنه لم يعد يملك منها شيئًا. فالسيادة تُعلن في العناوين حين تُفقد في الواقع. أو كلما ارتفع صوت بغداد، كانت واشنطن أقرب إلى زر التحكم.
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات
المنشورة لا تعبر
عن رأي المركز وإنما
تعبر عن رأي أصحابها
|
1 - لماذا تسمحون بنشر هذا المقال لكرم نعمة؟
|
العدد: 887206
|
|
فؤاد حاتم
|
2025 / 10 / 16 - 11:14
|
|
ياحوار متمدن أنتم موقع يساري لماذا تسمحون بنشر هذا المقال لكرم نعمة الذي يسخر بغرور من التاريخ الشيوعي ويربط ذلك بالوضع في العراق؟
36
|
2 - كل مقالات كرم نعمة مغرورة؟
|
العدد: 887207
|
|
وعد ناظم
|
2025 / 10 / 16 - 11:18
|
|
لم أقرا اكثر غرورا من هذا المقال لكرم نعمة كعادته جالس عند عمه ابو ناجي منذ اربعين سنة مرفها ويخدم المخابرات البريطانية ويكتب عن العراق بطريقة غريبة. مع اننا مقبلون على انتخابات ديمقراطية ستزيح الفاسدين بقيادة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني. ارجو من كل العراقيين الوطنيين المشاركة في حملة ضد هجوم كرم نعمة
31
|
3 - من انت ياكرم نعمة حتى تسخر من برافدا
|
العدد: 887208
|
|
مطشر الساعدي
|
2025 / 10 / 16 - 11:21
|
|
لأنني شيوعي ويساري اعتز بكل تاريخ صحيفة برافدا فقد كانت وستبقى لنا منهاجا للقيم الانسانية والاشتراكية ، فمن هو كرم نعمة وماهو تاريخه كي يسخر من هذه الجريدة المناضلة. نعم الحكومة فاشلة في العراق بل وتافهة لكنها ربطها بجريدة الحزب الشيوعي لا معنى له
29
|
4 - تعال ياكرم نعمة الى بغداد لتعرف الحقيقة؟
|
العدد: 887209
|
|
رائد مصطفى
|
2025 / 10 / 16 - 11:27
|
|
انا صديق قديم لكرم نعمة الذي لم اتواصل معه منذ اربعين عاما بعد ان عملنا معا في جريدة الجمهورية، ساعيد عليه جملة كتبها مرة في احدى مقالاتها ومأخوذة من شكسبير: اخي كرم .. حتى انت يا بروتس عليك ياكرم ان تعود للعراق وتعرف الحقيقة نحن نعيش في ديمقراطية وليس حكم الحزب الواحد والسلطة يتم تداولها بطريقة سلمية وما تكتبه هو طعن بالعراق فعد الى رشدك ودعك من لندن فبغداد أحلى وأجمل
32
|
5 - يسلم قلمك ياكرم نعمة
|
العدد: 887210
|
|
وضاح الراوي
|
2025 / 10 / 16 - 11:31
|
|
هل يوجد أروع واصدق من هذه الجملة الرائعة التي كتبها قلم كرم نعمة؟ اسألكم بالله كل الذين تهاجمون كتابات كرم نعمة هل يوجد من بين كل كتبتكم والذين يصرخون عبر القنوات الفضائية من يقدر يكتب مثل هذا الكلام: الوهم في العراق لم يعد مجرد زلة في الخطاب، بل منظومة دعائية كاملة، تتغذى على الخوف من الحقيقة. تُدار من طهران، وتُسوَّق من بغداد، وتُموَّل من نفطٍ لا يعرف أحد أين يذهب.
30
|
6 - رد على كل المعلقين على مقال كرم نعمة
|
العدد: 887212
|
|
تغريد البندقجي
|
2025 / 10 / 16 - 12:24
|
|
الأخوة المعلقين لا أحد فيكم ناقش مضمون المقال الرائع للاستاذ الكاتب كرم نعمة وهو صحافي مرموق وله تاريخ واصدر ستة كتب، وانما اغلب التعليقات تذهب الى هامش المقال ولا تناقش مضمونه الجديد والذكي والمكتبوب بروعة لغوية. هل يوجد في كل المقالاتة التي تروج للحكومة في بغداد والتي تنتقدها من هو قادر أن يكتب مثل هذه الفقرة الرائعة؟ وحين يصل العبث مداه، يظهر قيس الخزعلي ليمنح الخيال نكهة الأسطورة. فلم يكن بعيدا عن مانشيت الصحيفة العراقية الأرخص من عناوين برافدا السوفيتية، عندما قال إن الموساد استخدم -عاهرة- لتدبير اغتيال الإمام علي بن أبي طالب في القرن السابع الميلادي! وهكذا أدرجت المخابرات الإسرائيلية تصريح الخزعلي، في أرشيفها تحت عنوان -التاريخ الكوميدي-. مع هامش بسيط: -تأسس الموساد عام 1949.-
87
|
7 - البرافدا تشرفك أنت وأسيادك القدماء والجدد
|
العدد: 887218
|
|
....................
|
2025 / 10 / 17 - 09:05
|
|
لم ينشر التعليق لمخالفته القواعد
|
8 - التعليقات على مقال كرم نعمة لاتحذفا
|
العدد: 887242
|
|
....................
|
2025 / 10 / 18 - 06:55
|
|
لم ينشر التعليق لمخالفته القواعد
|
9 - التعليقات على مقال كرم نعمة لاتحذفا
|
العدد: 887243
|
|
وائل الصفار
|
2025 / 10 / 18 - 06:56
|
|
قرأت كل التعليقات على مقال الصحافي كرم نعمة وكان بودي أن اقر التعليق المحذوف . لكن قبل كل شئ علينا الاعتراف بأن كرم نعمة صحافي من طراز متقدم وهو محظوظ لأنه منذ أربعين سنة يعيش في لندن وتقلد مواقع مهمة في صحيفتي الزمان والعرب اللندنية لكن ذلك لايمنع من الاختلاف مع أفكاره. لغته الجميلة لاتبرر ما يفكر به فصحيفة برافدا مثال تاريخي عند اليسار العالمي ولايمكن مقارنتها بالتخلف والفشل السياسي في العراق الطائفي. الغريب ان والد كرم نعمة من الشيوعيين العراقيين كما قرأت من أحد المعلقين فكيف ينظر بهذا الشكل إلى البرافدا؟
24
|
10 - أين كرم نعمة
|
العدد: 887272
|
|
....................
|
2025 / 10 / 20 - 11:27
|
|
لم ينشر التعليق لمخالفته القواعد
|
11 - البرافدا ابشع جريدة في الكذب والتصليل وحتى الروس ل
|
العدد: 887279
|
|
الدكتور صادق الكحلاوي
|
2025 / 10 / 20 - 21:17
|
|
وحتى الروس لم يكونوا يقرؤها وحتى اسمها-برافدا-اي الحقيقه-صارت مضرب الامثال في روسيا ومستعمراتها ايام الدجل الاعظم اشتراكية عصابات القتل والتجهيل- انا كنت هناك وشفت بعيوني وثلاث مرات وقرابة العشرين سنه من 1956 الى 1985-والوثائق بعد سقوط دولة عصابة الافك والقتل المليوني موجوده في المتاحف العالميه والارشيفات بما فيها الروسيه-تحياتي
28
|
12 - البرافدا ابشع جريدة في الكذب والتصليل وحتى الروس ل
|
العدد: 887280
|
|
الدكتور صادق الكحلاوي
|
2025 / 10 / 20 - 21:17
|
|
وحتى الروس لم يكونوا يقرؤها وحتى اسمها-برافدا-اي الحقيقه-صارت مضرب الامثال في روسيا ومستعمراتها ايام الدجل الاعظم اشتراكية عصابات القتل والتجهيل- انا كنت هناك وشفت بعيوني وثلاث مرات وقرابة العشرين سنه من 1956 الى 1985-والوثائق بعد سقوط دولة عصابة الافك والقتل المليوني موجوده في المتاحف العالميه والارشيفات بما فيها الروسيه-تحياتي
31
|
13 - القتل والتدجيل هما ديدن أعمامك الجدد في الغرب
|
العدد: 887287
|
|
حسين علوان حسين
|
2025 / 10 / 21 - 09:29
|
|
إلى الكائن القائح في ت 11و 12 القتل والتدجيل والإبادات الجماعية كلها ديدن أعمامك الجدد في كيان عصابات دولة القتل المبرمج الصهيوني منذ عام 1948 فبى اليوم ومن قبلهم في الغرب طوال خمسمائة عام أبادوا فيها أكثر من مليار من البشر الشرفاء العزل، والحبل على الجرار اليوم في أوكرانيا وفلسطين ولبنان وسوريا واليمن وايران وفنزويلا. ليس للغرب وأذيالهم سوى حضارة التفنن في تصنيع أسلحة الدمار الشامل لاقتراف مجازر الابادات الجماعية والنهب والسلب والدجل والتلفيق والقتل المبرمج للثوار الأحرار في كل مكان في العالم، جيلا بعد جيل. اقرأ صحف الغرب في اليوم ولن تجد خبرا واحدا غير متلاعب به. البرافدا لم تكن تصدر مثلما تكذب في بولونيا حيث كان يتم تعليم أهل الرثاثة من ناكري الجميل أمثالك . البرافدا هي صحيفة الثوار وقول الحقيقة. اسمع ايها الكائن الحرام زادة: اثبت تخرصاتك بجلب نص واحد فقط، نص واحد فقط من البرافدا غير صحيح منذ عام 1912 إلى اليوم، وبعكسه اغلق منفذك المتغوط المأجور. لماذا تستلم 7000 دولار من مُجنَّدِك نتنياهو عبر ذاك الأجرب عن كل تفريغ لك في هذا الموقع الأغر؟ لقد آن أوان فضحك بسلسة مفصلة بافنراءاتك.
55
|
|
هل ترغب
بالتعليق على الموضوع
؟
|