8. التبعية والصراع الإمبريالي: الديناميكيات الإقليمية والدولية

عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 10 / 14

منذ انفتاح السودان على السوق الرأسمالية العالمية، لم يكن موقعه مجرد "هامشٍ" اقتصادياً، بل حلقةً وظيفية في آلية التراكم الإمبريالي. فالتبعية هنا ليست علاقة تبادلٍ غير متكافئ بين مركزٍ قوي وطرفٍ ضعيف، بل عملية تاريخية أعادت عبرها الرأسمالية العالمية تشكيل الطبقات المحلية نفسها بما يخدم مصالح المركز. فالدولة، والجيش، والبرجوازية التجارية، جميعها نشأت كترجمة داخلية لاحتياجات الخارج لا لتطورٍ ذاتي مستقل. ولهذا، فإن ما يبدو صراعاً داخلياً بين قوى سياسية أو عسكرية ليس سوى تجلٍّ محلي للتنافس الإمبريالي والإقليمي على الموارد والمواقع الاستراتيجية، كما يشير سمير أمين إلى أن الصراعات في الأطراف ليست سوى "إعادة إنتاجٍ للتناقضات العالمية ضمن شروط محلية" [1]. في هذا المعنى، لا يُفهم الصراع السوداني إلا كجزء من خريطة أوسع يعاد فيها توزيع النفوذ والثروة تحت ضغط الأزمة البنيوية للنظام الرأسمالي العالمي.

ترجع جذور التبعية السودانية إلى الحقبة الاستعمارية، حين صُمم الاقتصاد لخدمة مصالح المركز الرأسمالي. فعندما طرح سمير أمين مفهوم التراكم على الصعيد العالمي، لم يكن يسعى إلى تفسير التفاوت بين الأمم فحسب، بل إلى إظهار أن الأطراف لا تتطور إلا في إطار يعيد إنتاج تخلفها البنيوي. وكما أوضح والتر رودني، فإن العلاقات الاقتصادية التي أقامها الاستعمار خلقت بنية إنتاجية مشوهة تكرس التخلف [2]. وقد استمرت هذه البنية بعد الاستقلال عبر ما يسمى "التنمية المعتمدة"، حيث عملت سياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على إعادة إنتاج التبعية تحت شعارات التحديث والتنمية [3].

تحولت الموارد الطبيعية السودانية إلى أدوات للتبعية والصراع. فاقتصاد الريع، كما يشرح ديفيد هارفي، أصبح الآلية الرئيسية لإعادة إنتاج التبعية في العصر النيوليبرالي [4]. ويتجلى ذلك في سيطرة الشركات متعددة الجنسيات على قطاع النفط والذهب عبر عقود استغلال مجحفة، واستيلاء الشركات الأجنبية على الأراضي الزراعية تحت مظلة “الاستثمار”، مما حول الأرض إلى سلعة ضمن دوائر رأس المال العالمي. ويتجلى "التراكم عبر نزع الملكية" في السودان عبر مصادرة ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية لصالح شركات خليجية وآسيوية، وخصخصة مرافق القطاع العام الحيوية كالسكك الحديدية والكهرباء، والاستيلاء على مناجم الذهب عبر مليشيات مرتبطة بأجهزة الدولة تعمل كوكلاء لرأس المال الأجنبي. فالتبعية ليست حدثًا، بل نمط إنتاج تابع يقوم على تحويل الاقتصاد المحلي إلى جهاز لإعادة إنتاج رأس المال الأجنبي.

وقد تحول "الوكلاء المحليون" إلى أداة فعالة لإعادة إنتاج التبعية عبر آليات متعددة: فكبار الضباط تحولوا إلى وسطاء في صفقات السلاح والذهب، وكبار التجار أصبحوا وكلاء للشركات الأجنبية، والنخب السياسية استخدمت مناصبها لتمرير سياسات تخدم مصالح القوى الخارجية. هذه الشبكات المحلية تشكل طبقة "كمبرادورية" جديدة تربط مصالحها العضوية بالخارج، وتعمل على إعادة إنتاج التبعية عبر تحالفات معقدة تجمع بين رأس المال المحلي والأجنبي.

يشهد السودان اليوم تنافسًا إقليميًا ودوليًا حادًا يعكس ديناميكيات الصراع الإمبريالي المعاصر. فالمحور الخليجي يسعى إلى السيطرة على الموانئ والقطاع الزراعي، والمحور المصري–الإثيوبي يتمحور حول مياه النيل، بينما يركز المحور الروسي–الصيني على الموارد الطبيعية والبنية التحتية. وهذا التنافس الإقليمي-الدولي ينتج تحولات عميقة في البنية الطبقية الداخلية، حيث يؤدي التنافس على المواقع الجيوسياسية إلى ظهور تحالفات طبقية جديدة: فالميليشيات المسلحة تتحول إلى لاعب اقتصادي رئيسي عبر السيطرة على المنافذ الحدودية وطرق التجارة، وكبار الموظفين يستفيدون من صفقات الخصخصة والاستثمار الأجنبي، والبرجوازية الطفيلية تعزز موقعها كوسيط لا غنى عنه في التعامل مع القوى الخارجية. هذه التدخلات ليست دعمًا لـ"الاستقرار"، بل إعادة تموضع داخل نظام عالمي مأزوم يحاول الحفاظ على سيطرته عبر الوكلاء المحليين. وكما يوضح جيوفاني أريغي، فإن كل أزمة في المركز تُترجم إلى إعادة توزيع للعنف والفوضى في الأطراف [5].

تمارس القوى الغربية اليوم أشكالًا جديدة من الهيمنة الإمبريالية عبر آليات "العقوبات" و"المساعدات الإنسانية" و"الحوكمة الرشيدة". فالإمبريالية الجديدة، كما يصفها هارفي، لم تعد احتلالًا مباشرًا، بل منظومة من “التراكم عبر نزع الملكية” تُمارس عبر القروض والعقوبات والتدفقات المالية [4]. وفي الحالة السودانية، أصبحت العقوبات الاقتصادية وسيلة لتشكيل سلوك الدولة، وتحولت برامج "بناء الدولة" و"الإصلاح المؤسسي" إلى أدوات لإعادة هندسة البنية الطبقية بما يخدم مصالح الرأسمال الإمبريالي.

غير أن التبعية لا تُلغى برفض "الخارج"، بل بتفكيك الشروط الطبقية التي تجعلها ممكنة في الداخل. فتحرر السودان لا يمكن أن يتم في معزل عن النضال الأممي ضد الإمبريالية. وكما قال تشي جيفارا: "لا يمكن للشعوب أن تتحرر وهي تدفع ثمن استغلال شعوب أخرى" [6]. فالتحرر الوطني ليس مسألة دبلوماسية أو تفاوضية، بل عملية طبقية ثورية تستهدف قلب بنية التبعية الإنتاجية. وهذا يستدعي بناء تحالفات إقليمية ودولية تعيد ربط النضال من أجل التحرر الوطني بالنضال من أجل الاشتراكية العالمية، عبر تعزيز التضامن الأممي وبناء تحالفات جنوب–جنوب وتطوير استراتيجيات تنموية مستقلة.

"التبعية ليست مجرد تأخرٍ في النمو، بل هي نتيجة لتكامل الأطراف في النظام الرأسمالي العالمي تكاملًا تابعًا، يُعيد إنتاج التخلف في الأطراف ويعمّق تراكم الثروة في المركز."
سمير أمين.

النضال مستمر،،
--------------------------
المراجع:
[1] Amin, Samir. Unequal Development: An Essay on the Social Formations of Peripheral Capitalism. Monthly Review Press, 1976.
[2] Rodney, Walter. How Europe Underdeveloped Africa. Verso, 2018.
[3] Wallerstein, Immanuel. The Modern World-System. Academic Press, 1974.
[4] Harvey, David. The New Imperialism. Oxford University Press, 2003.
[5] Arrighi, Giovanni. The Long Twentieth Century: Money, Power, and the Origins of Our Times. Verso, 1994.
[6] Guevara, Ernesto. Message to the Tricontinental. 1967.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي