|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
محمد سعد خير الله
2025 / 10 / 14
منذ أيام، كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء السودانيين، ويعمل كباحث في مركز دراسات بإحدى العواصم الأوروبية، وعند سؤالي عن أحواله وأحوال أسرته، انفجر باكياً، وهو يحكي أن الاتصال فقد مع بعضهم منذ أيام، ليصبحوا جزءاً من ما لا يقل عن 52 ألف مفقود منذ اندلاع الاقتتال بين طرفي النزاع السوداني. لم يُعرف مصيرهم، هل هم أحياء أم فارقوا الحياة، ليضافوا إلى قائمة تضم أكثر من 150 ألف قتيل.
روى لي عن المقابر الجماعية، وحوادث الاغتصاب، والانهيار شبه الكامل للقطاعين الصحي والتعليمي. نحو 120 مؤسسة تعليمية، حكومية وخاصة، خصوصاً في ولاية الخرطوم، تعرضت لأضرار جسيمة، كما شملت أعمال التخريب ست مؤسسات في الولايات الأخرى. وفي التعليم العام، أخرجت الحرب أكثر من 17 مليون طفل من المدارس، أُلقي بهم في مناطق النزوح واللجوء، ليضافوا إلى نحو 6.9 ملايين طفل سبق أن غادروا صفوف الدراسة قبل الحرب.
سرعة حديثه عن المآسي والكوارث كانت مذهلة، كأن الحزن أصبح جزءاً من كل كلمة ينطقها. وإزاء ما رواه، شعرت بالخجل الشديد، هدأت من روعه وأنهيت المكالمة، ثم بدأت ألوم نفسي؛ فمنذ تفجر الحرب السودانية قبل عامين وستة أشهر، لم أكتب عن السودان سوى خمسة مقالات، إحداها نُشرت في إحدى الصحف السويدية. رقم الضحايا ظل يتردد في مسامعي، كأنها نغمة هاتف لا تنقطع: 150 ألف قتيل.
تذكرت حينها الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) التي أودت بحياة نحو 120 ألف إنسان، وبلورت بعدها اتفاق الطائف، وهو الاسم الذي عُرفت به وثيقة الوفاق الوطني التي صيغت بوساطة سعودية/ سورية في 30 أيلول/سبتمبر 1989، وصارت نافذة بقانونٍ أقره لبنان في 22 تشرين الأول/أكتوبر 1989، فأنهت رسمياً أكثر من خمسة عشر عاماً من الاقتتال. كان للمملكة العربية السعودية الدور المحوري في استضافة جولات التفاوض بمدينة الطائف وتحفيز الأطراف على التوافق، فكانت شاهداً على ولادة حلٍّ أفْرَقَ كثيراً عن منطق الدم.
أتذكر في تلك الفترة، وكنت صبياً مهتماً وشغوفاً بالسياسة، ما كان يُقال عن الدور الإيجابي السعودي الفارق في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية.
وأنا على ذلك الخاطر، أتذكر أن الإدارة السعودية بادرت بسرعة، ففي غضون شهرٍ واحدٍ من اندلاع قتال السودان دعت الأطراف إلى جدة، حيث بُذلت جهود دبلوماسية أثمرت ما عُرف لاحقاً باتفاق/إعلان جدة. وُقّع على المسوّدة الأولى في 20 أيار/مايو 2023 ممثلون عن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وحكومة السودان والأطراف المتحاربة، وكان الهدف المعلن تسهيل مسار السلام. حينها كان الصراع في أوجه من حيث الحدة والتطرف، وكانت الرغبة في الانتصار أحياناً تقترب من لهيبٍ يريد أن يبتلع كلَّ ما أمامه.
اليوم، وقد أنهك النزاع طرفيه وأفضى إلى وقائع كارثية، يفرض الواقع علينا أن نجدد المحاولة، ربما تنجح، لوقف نزيف الدم وسط صمتٍ وفوضى إقليمية، في وقت تواصل فيه بعض القوى تراكم مصالحها على جراح السودان. وأمتنع هنا عن تسمية الأطراف التي صبّت وقوداً على النار، لأن هذا المقال رسالةٌ موجهة إلى الأمير الشاب الواعد محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية، ورئيس مجلس الوزراء، الذي يحظى بحضورٍ عالميٍّ طاغٍ، ونجاحٍ لافتٍ في مجالاتٍ متعددة، جعل من الرياض إحدى العواصم الكبرى لصنع القرار العالمي، ورقماً صعباً في معادلات السياسة الدولية.
رسالتي إليكم، يا سموّ الأمير، هي نداءٌ صادقٌ من قلبٍ يرى في مبادراتكم السياسية قدرةً على إنقاذ ما تبقّى من السودان. فالحرب التي مزّقت البلاد ونسيجها الاجتماعي لم تترك بيتًا بلا فجيعة، ولا مدينةً بلا جراح. والدماءُ التي تسيل هناك تحتاج إلى من يحقنها، ويمدَّ لأصحابها يدَ العون والحكمة، قبل أن تبتلعهم الفوضى تمامًا.
إن المملكة العربية السعودية تمتلك المؤهلات الأخلاقية والسياسية والوزن الإقليمي والدولي الكفيل بجمع الأشقاء السودانيين مجدداً على طاولة حوارٍ جديدة، تُعيد الحياة إلى مشروع السلام الذي أراد البعض وأده قبل أن يكتمل.
وليكن الموعد هذه المرة في مدينة الطائف، تيمناً بما أنجزه التاريخ فيها، حين تحوّلت من مدينةٍ مضيافة إلى منبرٍ لصنع المصالحة أنهى واحدةً من أبشع الحروب في القرن العشرين.
إنني على يقينٍ بأنّ هذا النداء سيبلغ الديوان الأميري، وسيجد صدىً يليق بحكمة قائدٍ لا يرضى أن يُذكر الدم العربي إلا في سياقٍ يُنهيه، ويُطفئ أنينًا صارخًا يعذّب الضمير الإنساني قبل أن يخنقه الصمت.
فلعلّ التاريخ يمنحنا فرصةَ الإنقاذِ والإنجاز، تُكتب فيها العبارة من الطائف مرةً أخرى: بدأ السلامُ في السودانِ برعايةٍ سعودية، تُعيد للأمة بعض ما فقدته من توازنها، وللإنسان في السودان حقّه في الحياة والأمل.
ربما يتهمني البعض من هواة الصيد في كل الأجواء بأنني أتملق النظام الحاكم في المملكة.أعلنها بعلو الصوت وبملء الفم: أنا المتملق الأكبر على ظهر هذا الكوكب، إن كان ذلك سيسهم في إيقاف المقتلة الدائرة في السودان.
| في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن | حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر |
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |