7. العنف المضاد للثورة: تشريح جهاز الدولة البورجوازي

عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 10 / 14

لا يمكن فهم إخفاق الثورة السودانية دون تشريح جهاز الدولة البورجوازي بوصفه أداة عنف منظم في خدمة الطبقة المسيطرة؛ فالدولة في السودان، كما بيّن لينين، ليست جهازًا محايدًا للتوفيق بين المصالح، بل تجسيد مادي لهيمنة طبقة على أخرى، ودراسة هذه الآلية شرطٌ لفهم كيف تُقوّض القوى الثورية إمكانياتها [1].

الدولة السودانية ورثت تركيبة قمعية من زمن الاستعمار البريطاني، تركيبة صممت أساسًا لإخضاع المجتمع والسيطرة على الموارد، تبين قراءة محمود ممداني ثنائية المركز والأطراف حيث يعمل العنف عبر إدارة أهلية في الأطراف وبيروقراطية مركزية في العاصمة؛ هذه البنية المزدوجة لم تُلغ بعد الاستقلال بل أعيد إنتاجها لصالح تحالف طفيلي جديد يربط النخبة العسكرية والاقتصادية [2].

تعلّق سيطرة الجهاز البورجوازي بشبكة مؤسساتية متكاملة: الجيش، أجهزة الأمن والمخابرات، الشرطة، الجهاز القضائي والإدارات البيروقراطية؛ وفي ضوء التحليلات الماركسية ولأولئك الذين عملوا على نظرية الدولة، فإن هذه المؤسسات ليست محصلة عشوائية بل أداة منظّمة لإعادة إنتاج علاقات السلطة والهيمنة الطبقية [3].

يتجسّد العنف المضاد للثورة في السودان على ثلاثة مستويات متداخلة ومتكاملة: أولاً على المستوى الهيكلي حيث تمتلك الدولة أجهزة قمع متخصّصة لا تُعنى فقط بقمع الاحتجاجات بل بمنع تشكّل وعي طبقي مستقل عبر خلق مناخ رعب وريبة يعيق التنظيم الشعبي [4]؛ ثانياً على المستوى الاقتصادي حيث تُمارَس سياسات تقشف وخصخصة تسرّع من تراكم الرأسمال الطفيلي على حساب الجماهير، ويتجلى "التراكم بالاستيلاء" في السودان عبر مصادرة الأراضي الزراعية لصالح المشاريع العقارية الكبرى، وخصخصة شركات القطاع العام بأسعار رمزية للنخبة الحاكمة، والاستيلاء على مناجم الذهب عبر مليشيات مسلحة ترتبط بأجهزة الدولة [5]؛ وثالثاً على المستوى الأيديولوجي حيث تُنتَج شعارات مثل "الوحدة الوطنية" و"الأمن" لتبرير القمع وتطويع وعي الجماهير [6].

لا يقتصر العنف على الجهاز الرسمي فحسب، بل يشتمل على تحالفات مع ميليشيات شبه رسمية وشركات اقتصادية تضمن استمرار دائرة النهب والاحتكار؛ هذه الشبكات تخلق دورة اقتصادية-عسكرية متكاملة تحمي مصالح النخب عبر السيطرة بالقوة، وتحوّل موارد البلد إلى مجال ربح خاص يخضع لحماية مسلّحة [7].

برهنت ثورة ديسمبر 2018 على قدرة الجماهير على تفكيك أجزاء من آلة القمع، لكنّها ظهرت في الوقت نفسه حدّية مرونة الجهاز البورجوازي واستيعابه: عبر أدوات "الشراكة" و"الانتقال" استطاعت النخب إعادة توزيع المواقع، حيث عملت "خلايا الدولة العميقة" عبر شبكات من كبار الموظفين الذين حافظوا على مناصبهم رغم تغير الحكومات، وعبر تحالفات مالية مع رجال الأعمال الذين مولوا كلا الأطراف، وعبر أجهزة أمنية ظلت موالية للنهج القديم تحت شعارات جديدة. وهذا النمط من المرونة البنيوية يشبه ما حدث في تجارب عربية أخرى، كالجزائر التي أعادت الدولة العميقة إنتاج نفسها بعد انتفاضة 2019، ومصر حيث حافظت الأجهزة الأمنية على نفوذها رغم تغير النظامين في 2011 و2013 [8]. هذه المرونة تكشف أن إسقاط رأس النظام ليس بذاته كافياً ما لم يتبع بتحطيم آليات إنتاج الهيمنة.

ولذلك فإن تفكيك الجهاز البورجوازي لا يعني مجرد تغيير قيادات أو إجراء إصلاحات إدارية، بل يتطلب مشروعًا ثوريًا قادرًا على بناء أدوات إنتاج وتنظيم مستقلّة، وإعادة تأسيس مؤسسات الدولة على أسس ديمقراطية تعبر عن مصالح الطبقات الكادحة؛ كما شدّد لينين، لا يكفي أن تستولي البروليتاريا على جهاز الدولة القائم وتستخدمه لمصلحتها، بل عليها تفكيكه واستبداله [9].

تجربة السودان تعيد التأكيد أن الثورة الحقيقية تستدعي إزالة الآليات التي تولد القمع والاحتكار وتديم هيمنة النخبة، وأن البديل لا يمكن أن يكون هجينًا بين أجهزة الدولة القديمة والوعود الانتقالية، بل بناءً من الأسفل لمؤسسات جديدة، اقتصادية وسياسية وقضائية، تُجسّد مصلحة الجماهير وتكفل توزيعًا عادلاً للثروة والسلطة؛ هذا المسار يتطلب تنظيمًا طبقيًا، استراتيجية تربوية ونفسًا طويلًا من النضال [10].

"الثورة الحقيقية هي التي تحطم آليات الهيمنة الطبقية، ولا تكتفي بتغيير الأسماء في السلطة."
روزا لوكسمبورغ,

النضال مستمر،،
--------------------------
المراجع:
[1] Lenin, V. I. (1917). The State and Revolution.
[2] Mamdani, M. (1996). Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton University Press.
[3] Marx, K., & Engels, F. (1848). Manifesto of the Communist Party.
[4] Poulantzas, N. (1978). State, Power, Socialism. New Left Books.
[5] Harvey, D. (2003). The New Imperialism. Oxford University Press.
[6] Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks (Q. Hoare & G. N. Smith, Eds.). International Publishers.
[7] Gallab, A. A. (2008). The First Islamist Republic: Development and Disintegration of Islamism in the Sudan. Ashgate.
[8] de Waal, A. (2015). The Real Politics of the Horn of Africa. Polity Press.
[9] Luxemburg, R. (1913). The Accumulation of Capital.
[10] Fanon, F. (1961). The Wretched of the Earth.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي