السفرة المؤجَّلة: أزمنة لا تموت

مظهر محمد صالح
2025 / 10 / 13

سألني صديقٌ يومًا: لِمَ تكثر من التذكّر هذه الأيام، وأنت على أبواب عقدك الثمانيني؟
صمتُّ في نفسي هامسًا: ليست الذاكرة صندوقًا للماضي، بل كائنٌ حيّ يسكننا، يتنفس ويختنق ويشيخ معنا.

لقد أدرك فرويد باكرًا أن الذكرى ليست حدثًا انقضى، بل جرحًا لم يُروَى بعد. فالنفس لا تمرض من حاضرها، بقدر ما تُصاب من صمتها الطويل عن ماضيها. هناك جروحٌ لا تنزف دمًا، بل تتكلم بأعراضٍ، في الجسد أو في الحلم أو في تكرارٍ لا إراديّ للمشهد ذاته، كما لو أن الذكرى تطلب اعترافًا مؤجَّلًا لتُشفى.

قال فرويد في إحدى عباراته الخالدة: “الهيستيريا تعاني من الذكريات.” فالإنسان إذ ينسى قسرًا، لا ينجو من ماضيه، بل يحمله في أعماقه كصدى خافتٍ يبحث عن صوت. إن ما لا يُقال، يعود فعلاً وما لا يُتذكّر، يُعاد تمثيله على مسرح الحياة.

ثم جاء جاك لاكان، الفيلسوف والمحلل النفسي الفرنسي (1901–1981)، ليُعيد قراءة فرويد بلغةٍ فلسفية ولسانية عميقة، جعلت التحليل النفسي يتخذ بعدًا بنيويًا وسيميائيًا جديدًا.
حيث حَوّل جاك لاكان الذكرى إلى سؤالٍ في اللغة ذاتها: فالإنسان عنده ليس من يتذكّر، بل من يتكلّم. وحين تفقد اللغة قدرتها على الإحاطة بالجُرح، يظهر المرض بوصفه لغةً بديلة، جسدًا يتكلم بدلًا عن الوعي.
الذاكرة المريضة عند لاكان هي ثغرة في السرد؛ كلمة سقطت من نصّ الذات ولم تجد تأويلها بعد. فما لم يُرمَّز في اللغة، يعود في صورة اضطرابٍ في المعنى.

وفي الأفق الأخلاقي للذاكرة، يضع بول ريكور يده على ما هو أعمق من النفس: ذاكرة الجماعة.
فالمرض هنا لا يخصّ الفرد وحده، بل الشعوب أيضًا، حين ترفض أن تروي ماضيها أو أن تمنحه معنى جديدًا.
فالأمم مثل الأفراد، تمرض من ذكرياتها التي لم تُغفر بعد. ولا يُشفى التاريخ بالنسيان، بل بالتأويل؛ إذ يصبح السرد نفسه فعلَ شفاءٍ وتحرير.
اذ يُعدّ الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (Paul Ricœur) (2005–1913) من كبار فلاسفة القرن العشرين، وأحد أبرز ممثلي الفلسفة التأويلية (الهرمنيوطيقا) الحديثة ، والذي جمع في مشروعه الفكري بين الظاهريات (الفينومينولوجيا) والهرمنيوطيقا والفلسفة الأخلاقية والسياسية، فكان من القلائل الذين سعوا إلى المصالحة بين التفسير والتأمل، وبين التحليل والتأويل.

وهكذا، ومع اتساع الجدل الفلسفي، لا نبرأ من الذاكرة إلا حين نمنحها لغة.
فالذي لا يُقال يظلّ يحرس ألمه في العتمة، والذي يُروى يتحوّل إلى معرفة.
وربما كان أعمق علاجٍ للذاكرة المريضة هو أن نحكيها كما هي: لا لنستعيد الماضي، بل لنفهم لماذا بقي فينا. فالماضي لا يُدفن، بل يُعاد تأويله في الحاضر، كي لا يواصل مرضه فينا بأسماءٍ أخرى.

من هنا تبدأ سجالات الذاكرة.
حين سألني صديقي لتوّه: ما أكثر ذكريات شبابك إثارة؟
أجبته بهدوءٍ كمن يزيح الغبار عن مرآة قديمة:

(السفرة المؤجَّلة)

سألني: وما هي؟
اجبته: كان عليَّ أن أحضر مؤتمرًا لخبراء المصارف المركزية لبلدان العالم الثالث في بلغراد، منتصف سبعينيات القرن الماضي. كنتُ في العشرينات، تواقًا إلى السفر، أحلم بركوب الطائرة للمرة الأولى، وبأن أصل إلى عاصمة أوروبية لأشارك في جولة فكرية مع خبراء من عالمنا الثالث في فضاءٍ منفتح على أسئلة التنمية والاقتصاد والمال .

كانت فرحتي عظيمة، وأنا أنتظر يوم السفر ،
لكن حين اقترب الموعد، علمتُ أن قوى بيروقراطية أعلى مني حظًا قد خطفت الرحلة.
وبعد أيام، قيل لي إن المؤتمر أُجّل إلى الأسبوع القادم! فجلستُ على طاولتي وقلتُ في نفسي: لقد خُطفت الرحلة مرتين، والعدالة لا تُسافر!

ابتسمت زميلتي التي كانت تجلس قبالتي، وقالت بصوتٍ بغداديّ رخيمٍ يحمل عزاء التجارب:
“أيها الزميل الصادق، ما تعرّفتُ على إنسانٍ منذ الروضة وحتى الجامعة، إلا وكتب له السفر طيلة حياته!”

عَلِقت كلماتها في ذاكرتي، كجملةٍ نبوئيةٍ لم تفقد حرارتها.
ولم تمضِ أشهرٌ قليلة حتى بدأت أولى أسفاري إلى بلاد الجنوب الإفريقي، لتتوالى بعدها الرحلات والاغترابات والدراسات والمؤتمرات، حتى غدت تلك النبوءة عنوانًا لرحلة عمرٍ طويل: قصة الأسفار التي لا تنقطع.

تذكرتُ ذلك قبل أيام، حين طُلب مني السفر إلى مؤتمرٍ علمي في بلدٍ مجاور.
من هنا، أقفلتُ النبوءة في صندوق الذكريات، وقلتُ في نفسي: كفى، فعالمي اليوم يسكن في بلادي.

ومع ذلك، ما زلت أردد في داخلي: الأزمنة لا تموت.
فلعل الزمن، في جوهره، ليس ما يمضي، بل ما يبقى فينا.
إننا لا نحمل ساعاتنا فحسب، بل نحمل جراحها الصغيرة؛ لحظاتٍ لم تكتمل، أصواتًا لم تُقال، نظراتٍ تأخرت عن الوداع.
هكذا يعيش الزمن فينا كما تعيش الذاكرة في جسدها: مريضًا حين يُكتم، وسليمًا حين يُروى.

فالذاكرة التي تمرض، هي نفسها التي تخلق المعنى.
إذ لا يُشفى الإنسان من ماضيه، بل يتصالح معه، ويواصل الطريق كمن يعبر أزمنة لا تموت.

فالذاكرة ليست ألبوم صورٍ للماضي، بل كائنٌ يسكننا، يختزن ما لم يُحكى، ويعيده في هيئة وجعٍ أو حلمٍ أو عرضٍ صامت.
لقد أدرك فرويد حقا أن الإنسان لا يمرض من الحاضر، بل من ذكرى لم تُروَى بعد.
أما لاكان فوسّع المعنى، فرأى أن ما لا يُقال لا يختفي، بل يعود في شكل خللٍ في اللغة والمعنى.
ثم جاء بول ريكور ليذكّرنا بأن الشعوب أيضًا تمرض من ذاكرتها حين تعجز عن سردها أو غفرانها.

وهكذا، لا شفاء من الذاكرة إلا بأن تُقال، لأن ما لا يُروى يبقى فينا، يتخفّى بأسماءٍ أخرى، ويواصل مرضه في صمت.

انتهى.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي