إلى أين يمضي الفساد في العراق

داود السلمان
2025 / 10 / 12

الفساد في العراق لم يعد ظاهرة عابرة أو حالة طارئة يمكن التعامل معها عبر حلول ترقيعية أو حملات إعلامية محدودة، بل تحول إلى منظومة متجذرة تمارس تأثيرها في كل مفصل من مفاصل الدولة، من الإدارة المحلية إلى أعلى مستويات السلطة. ومن المؤسف أن هذه المنظومة تزداد تعقيداً مع كل دورة انتخابية، حيث تتجدد فيها الوجوه، لكن تبقى الأساليب والسياسات والولاءات على حالها، إن لم تزد سوءاً.
ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية القادمة، يطرح المواطن العراقي تساؤلات مشروعة حول جدوى المشاركة في عملية انتخابية كثيراً ما أفرزت نفس الطبقة السياسية التي تتبادل الأدوار فيما بينها دون أن تقدم شيئاً ملموساً للبلد. من البديهي أن يكون لكل نظام ديمقراطي أدواته في محاربة الفساد، وعلى رأسها الانتخابات الحرة والنزيهة، لكن في السياق العراقي، غالباً ما تكون الانتخابات ساحةً لإعادة إنتاج الفساد بدل معالجته. فالأموال السياسية، والتأثيرات الخارجية، والولاءات الطائفية والحزبية، جميعها أدوات تُستخدم لضمان بقاء النفوذ السياسي والاقتصادي بيد قلة قليلة، دون مراعاة لمصالح الشعب أو مقتضيات المصلحة الوطنية.
الفساد في العراق لم يعد يقتصر على سرقة المال العام أو عقد صفقات مشبوهة، بل أصبح وسيلة للإقصاء وتكميم الأفواه وتوزيع الفرص بناءً على الولاءات لا الكفاءات. ومن المحزن أن المواطن العادي، الذي يعاني من انقطاع الكهرباء، وتدهور الخدمات، وغياب العدالة، يجد نفسه محاصراً بين خيارين أحلاهما مر: إما مقاطعة الانتخابات (المقاطعون هم التيار الصدري، وهم نسبة كبيرة من الفقراء، لا يستهان بهم، لكنهم وطنيون وحريصون على بلدهم) بدافع اليأس وعدم الثقة، أو المشاركة على أمل التغيير، وهو أمل كثيراً ما خاب في التجارب السابقة. وبالتالي اعتقد أن الوجوه ذاتها باقية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في فضح الفساد أو التنديد به، بل في القدرة على تغييره ضمن أطر مؤسساتية ودستورية. التغيير لا يمكن أن يتحقق دون وعي جماهيري واسع، وضغط شعبي مستمر، ونخب سياسية جديدة تخرج من رحم المعاناة اليومية، وليس من مكاتب الأحزاب أو كواليس الصفقات. ومن هنا تأتي أهمية الانتخابات المقبلة (إن جرت لأنني لا أجزم بأجرائها)، ليس لأنها ستحسم مصير الفساد بين ليلة وضحاها، ولكن لأنها قد تكون لحظة فاصلة لاختبار وعي المجتمع وقدرته على تجاوز الخنادق الطائفية والمصالح الضيقة لصالح مشروع وطني جامع.
وكلنا نعلم، إن الطريق نحو الإصلاح طويل وشاق، لكنه ليس مستحيلاً. لا بد من البدء بخطوات عملية تبدأ من تشريع قوانين تضمن استقلالية القضاء وتعزز من دور الهيئات الرقابية، مروراً بإصلاح النظام الانتخابي ليكون أكثر عدالة وتمثيلاً، وليس انتهاءً بتوفير الحماية للصحفيين والناشطين الذين يكشفون قضايا الفساد. إن صمت الدولة أمام هذه القضايا، بل وتواطؤ بعض أركانها، هو جزء من المشكلة، ولن يكون جزءاً من الحل ما لم تتغير منظومة التفكير السياسي بشكل جذري.
وبالتالي، تبقى الانتخابات القادمة فرصة، لا يمكن إنكار ما يحيط بها من شكوك وتخوفات، لكنها مع ذلك تتيح هامشاً للحركة والتعبير وتغيير المعادلة. المطلوب ليس فقط التصويت، بل المتابعة والمساءلة والضغط المستمر. العراق لا يفتقر إلى الموارد ولا إلى العقول، لكنه يعاني من منظومة سياسية واقتصادية تمارس الفساد كأداة حكم لا كاستثناء. وإذا لم يتم كسر هذه الحلقة المفرغة، فإننا سنبقى ندور في ذات الدائرة، نبدل الأسماء ولكن نحصد نفس النتائج. لذا، فإن مسؤولية مواجهة الفساد تقع على عاتق الجميع: شعباً ومؤسسات، نخبة ومواطنين، انتخاباً ومتابعة، وإلا فإن الفساد سيظل يحكم، والعراق سيظل رهينة له.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي