|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |
فريد بوكاس
2025 / 10 / 11
ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي مقيم بالمنفى
مقدمة: صوت الشباب الذي لم يُسمع
في المغرب، تتصاعد أصوات جيل جديد يعرف نفسه بـ "جيل Z�"، وهو جيل لم يعد يكتفي بالوعود التقليدية أو الخطابات الرسمية المزخرفة بالعبارات الكبرى عن التنمية والعدالة الاجتماعية. هذا الجيل، الذي نشأ في زمن الرقمنة والبطالة المتزايدة واللامساواة الاقتصادية، رفع مطالب واضحة وعاجلة: تحسين التعليم، فرص عمل كافية، محاسبة المسؤولين عن الفساد والأزمات، والإفراج عن معتقلين سياسيين على خلفية الاحتجاجات السلمية.
وعندما وقف الملك محمد السادس أمام البرلمان مؤخراً في خطابه الافتتاحي للدورة التشريعية، كان من المتوقع أن يقدم استجابة صريحة لهذه المطالب. لكن الواقع كان مختلفاً. الخطاب، رغم انه مليء بالوعود والتنويهات، بدا بعيداً عن معالجة جوهر القضايا التي دفعت الشباب إلى الشارع.
خطاب الملك: لغة الوعد الغامض
ركز الملك في خطابه على مجموعة من النقاط العامة: تطوير البرامج التنموية في المناطق الهشة، تحسين التعليم والصحة، محاربة الهدر الإداري، وتحقيق العدالة المجالية. هذه نقاط تبدو جميلة على الورق، لكنها جاءت مُجرد وعود عامة دون خطة تنفيذية واضحة أو جداول زمنية محددة.
اللغة الملكية اعتمدت على أسلوب التلميح أكثر من الإعلان الصريح، مما يجعلها صعبة الترجمة إلى إجراءات ملموسة على الأرض. الحديث عن التنمية المحلية والتوزيع العادل للموارد لا يجيب عن السؤال الأهم بالنسبة للشباب: متى سيجدون وظائف لائقة؟ متى ستتحسن جودة التعليم بما يتناسب مع متطلبات السوق الحديثة؟
المطالب التي تم تجاهلها
بينما كان الخطاب يركز على التنمية والإصلاح التدريجي، تجاهل الملك مباشرة مطالب رئيسية لجيل Z�:
إقالة الحكومة أو تغييرها: الشباب يطالبون بإصلاح سياسي فعلي، لكن الخطاب لم يتطرق إلى أي مساس بالهيكلة الحكومية.
الإفراج عن المعتقلين السياسيين وفتح تحقيق مستقل حول التعامل مع الاحتجاجات.
إصلاح إداري وسياسي جذري: تحسين الخدمات العامة وحده لا يكفي إذا بقيت آليات اتخاذ القرار المركزية بعيدة عن الشباب والمواطنين.
هذا التجاهل، من وجهة نظر الشباب، يُعطي شعوراً بأن مطالبهم “مؤجلة إلى الأبد” أو مجرد حبر على ورق، وأن الدولة لا ترى فيهم قوة فاعلة تُغير المعادلة السياسية.
تحليل سياسي واقتصادي واجتماعي
1. الجانب السياسي
الخطاب الملكي يعكس الرغبة في الحفاظ على استقرار المؤسسات السياسية، ولكنه في الوقت نفسه يظهر فصلاً بين مطالب الشعب والإجراءات الدستورية. الملك يترك التغيير السياسي العميق إلى "الطرق المؤسسية"، متجنباً الاستجابة المباشرة لضغوط الشارع، وهو ما يراه جيل Z� تجاهلاً مقصوداً.
2. الجانب الاقتصادي
تحدث الملك عن التنمية، لكن لم تُعرض أرقام واضحة عن ميزانيات جديدة أو خطط تشغيل محددة للشباب. في ظل البطالة المرتفعة، والاعتماد الكبير على الاقتصاد غير الرسمي، يبقى الخطاب مجرد رسالة معنوية أكثر منها حلاً فعلياً لمشاكل الفقر والبطالة التي تواجه الأجيال الجديدة.
3. الجانب الاجتماعي
جيل Z� يعاني من فجوة جيلية وثقافية مع النخب الحاكمة: الشباب يتحدث لغة الاقتصاد الرقمي، التقنية، والابتكار، بينما الخطاب الرسمي يستمر في لغة “المشاريع الكبرى” و"التنمية المحلية" دون إشراك حقيقي للشباب في صياغتها أو مراقبتها.
الغضب الرقمي والشبكات الاجتماعية
الشباب لم يكتفِ بالانتظار، فقد عبّر عن خيبة أمله بشكل واسع على وسائل التواصل الاجتماعي. منشورات وانتقادات حادة رصدت تضارب الخطاب مع الواقع:
"كل الكلام عن التنمية جميل، لكن ماذا بعد ؟"
"تحسين التعليم؟ كلام كثير، والوضع لم يتغير "
"خطاب ملكي جميل، لكن لم نشعر و لم يرفع من فرص الشغل كالعادة "
هذه الانتقادات تكشف أن جيل Z� لا يثق بالوعود العامة، ويرى أن الإصلاح الحقيقي لا يأتي إلا بالمحاسبة والتغيير الجذري.
استنتاج نقدي
خطاب الملك أمام البرلمان، رغم أنه يعكس اهتمام الدولة ببعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية، يبقى غير كافٍ في نظر جيل Z�. التجاهل الواضح للمطالب الأكثر حساسية (تغيير الحكومة، الإفراج عن المعتقلين، الإصلاح الإداري العميق) يُظهر فجوة بين اللغة الرسمية وواقع الشارع.
جيل Z� لم يعد يكتفي بالمطالب الجزئية أو بالمواعيد الطويلة الأمد، بل يريد استجابة حقيقية وملموسة. وفي غيابها، يظل الخطاب مجرد مراوغة لغوية لتجنب المواجهة المباشرة مع الغضب الشبابي، وهذا بدوره قد يزيد الاحتقان ويعمق الإحساس بعدم التمثيل السياسي الفعلي.
خاتمة: بين الوعود والواقع
الخطاب الملكي أمام البرلمان كان فرصة ذهبية لإعادة الثقة بين الدولة والشباب، لكنها ضاعت في لغة عامة ومراوغة دبلوماسية. جيل Z� يرى أن الكلمة الملكية لن تُغير الواقع إلا إذا ترافقت بالسياسات والإجراءات الفعلية، وإذا تم فتح المجال للمشاركة الحقيقية في اتخاذ القرارات.
إلا أن الدولة ما زالت أمام فرصة لإعادة التواصل مع الشباب: التنفيذ الحقيقي للوعود، الشفافية، والمساءلة الصارمة هي وحدها القادرة على سد فجوة الثقة. وإلا، فإن خطابًا جميلاً على الورق سيظل فارغاً من القوة الاجتماعية والسياسية، مجرد زخارف لغوية لا تليق بواقع الأجيال الجديدة.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |