هكذا قيَّدوا العقل العربي وكبَّلوه !

عبدالله عطوي الطوالبة
2025 / 10 / 11

حقق العقل العربي انطلاقة تاريخية، في زمن المعتزلة. صحيح أن هذه الفرقة لم تكن بمنأى عن التوظيف السياسي في الصراع العنيف على السلطة بين العباسيين والأمويين، لكن قادتها ورموزها وأفرادها كانوا فرسان العقل في التاريخ العربي. ارتكب المعتزلة خطأين، ما تزال أقساط ثمنهما الفادح تُدفع من الأجيال اللاحقة حتى يوم الناس هذا. الخطأ الأول، عدم وضع منهج متكامل للعقل العربي وتحديد أداة دقيقة لأنماط تفكيره تكون الأساسيات محور اهتمامها. لذا، بددوا طاقاتهم في قضايا فرعية جدلية، مثل مسألة "خلق القرآن". الخطأ الثاني، اللجوء إلى العنف، ما إن وصلوا الى السلطة في عهد الخليفة العباسي المأمون، لفرض معتقدهم بخصوص "خلق القرآن". بذينك الخطأين الفادحين، مهدوا لردة فعل سلفية رجعية متخلفة ما نزال نشقى بأفاعيلها في إنامة العقل العربي.
استمر نفوذ المعتزلة في عهود ثلاثة خلفاء عباسيين: المأمون والمعتصم والواثق. بعد هؤلاء، أمسك المتوكل بصولجان الحكم. ولم يلبث أن أطلق العنان للسلفيين، يضربون حرية العقل والتفكير المنطقي، كما هو ديدنهم في كل مكان وأوان، رائين فيهما سبيلاً إلى الكفر والإلحاد.
بعد الإنقلاب السلفي الظلامي في عهد المتوكل، ظهر الأشعري(873- 941م)، عدو المعتزلة. أخطر ما في المنظومة الفكرية الأشعرية، إلغاء فاعلية الإنسان. يقول الأشعري بهذا الخصوص:"...أما أفعال الإنسان، فإن الله يفعلها ويخلقها فيه، فينسبها الإنسان إلى نفسه ويزعم أنها من كسبه". تأسياً بهذا النمط من التفكير الإلغائي الإقصائي للإنسان، انتهى أتباع الأشعري إلى "أن العقل لا يُوجب شيئاً من المعارف، ولا يقتضي تحسيناً ولا تقبيحاً، ولا يوجب على الله رعاية لصالح العباد، والواجبات كلها تُفرض بالسمع ولا وصول لها بالعقل" !
فهل بعد كلام كهذا مزيد لإيضاح، على صعيد تقييد العقل وتكبيله، وسبيل لنقاش؟!
تلى الأشعري، أبو حامد الغزالي(1059-1111م). فختم على العقل العربي بالنقل، وحجب عنه فكرة وجود قوانين ثابتة مطردة تحكم الأشياء. ألغى الغزالي من حيِّز التداول مبدأ المعتزلة الشهير المتعلق بمسؤولية الإنسان عن أفعاله، منهياً بذلك حرية الإرادة من الحقل المعرفي العربي. وقد كان إلغاءُ السببية، أخطر قيد كبَّل به الغزالي العقل العربي. هنا، لا بد من التوضيح للوقوف على حجم الكارثة موضوع حديثنا. بحسب الغزالي، "ما نلحظه بالمشاهدة من وجود صلة بين شيئين كإضرام النار واشتعالها في الأشياء، أو حدوث إصابة تعقبها وفاة، أو رش ماء يتبعه بلل، هذه كلها أمور منكورة ومردودة إلى علاقة زمانية بين الشيئين، بمعنى حدوث أمر متتابع. فالنار ليست هي أشعلت شيئاً ما، ولا الإصابة تسببت بالموت، ولا الرش بالماء أنشأ البلل، إنما هذه تهيؤات في الأذهان. فلا وجود إلا لعليَّةٍ فاعلة واحدة، هي عليَّةُ وجود المريد، أي الله". مع مذهب فكري على هذا النحو، ضُرب منطق السببية، ومعه قُمعت حرية الإرادة وأُسدِلَ ستار أسود على أساس القوانين.
كانت فلسفة ابن رشد آخر حصون الدفاع عن العقل العربي، بلغة فقيد الثقافة والفكر التنويري العربيين، نصر حامد أبو زيد. لكن الظلام الذي أسس له الأشعري والغزالي، ضاق بها ذرعاً وحاصرها. فأُحرقت كتبه، وسُجن، وعُذِّبَ. وما تزال تلاحقه تهم الزندقة والهرطقة، وغيرها مما احتوته قواميس القرون الوسطى من بدائي الكلم.
ما الحل، لاستعادة العقل العربي؟ الحل الذي لا حل سواه، ثورة ثقافية شاملة قوامها المراجعة النقدية العلمية الشاملة لموروثنا، بشروط العصر ومقاييس العقل ومعايير العلم الحديث.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي