احتمالات الذات بين الخيبة والقداسة

داود السلمان
2025 / 10 / 11

نص "احتمالات مباركة" للشاعرة ليلى إلهان، هو قصيدة نثرية تفيض بشحنة عاطفية عالية وتكثيف لغوي ينهض على المفارقة والتوتر الداخلي بين ما يُقال وما يُلمّح إليه. الشاعرة في هذا النص تتخذ موقفًا واضحًا من الوجود ومن الذات الأنثوية المتألمة، لكنها لا تقدم ذلك من موقع الضعف أو الانكسار، بل من موقع الاعتراف الصادق، والوعي المتجاوز للمألوف، حيث الألم يتحول إلى مادة لغوية تخلق جمالًا مركبًا، والمأساة لا تُعرض كحالة شكاية، بل كمساحة للتأمل والتجلي والتمرد.
القصيدة تبدأ بإعلان الذات من خلال صيغة "أنا"، وهو افتتاح حاد، مباشر، لكنه مشحون بالدلالة. تقول: "أنا الشاعرة التي تقود معارك / الحزن، والعار، / والضغينة، والخوف". هذه العبارة ليست مجرد تعريف، بل تصريح هوية، أو إعلان حرب، حيث تتلبس الشاعرة دور المحارب في مواجهة مشاعر تُعد في العُرف الثقافي من مظاهر الضعف أو السلبية. ولكنها لا تتبرأ منها، بل تتقدم لقيادتها، في اعتراف يضمر قوة هائلة في احتضان الانفعالات والوقوف على جبهاتها. الكلمات الأربعة: الحزن، العار، الضغينة، والخوف، كلها تنتمي إلى فضاء داخلي مشحون، وارتباطها بالفعل “تقود” يقلب الموازين المتوقعة، فبدلاً من أن تكون هذه المشاعر هي التي تقود الشاعرة، فإنها تتصدر قيادتها كمن يروض وحوشه، لا ينكرها، بل يصيرها أدوات في معركته الوجودية.
ثم تأتي الجملة الثانية: "أنا التي أخذت من مكان مريم / ملجأً طاهراً للتشرّد في وجودي". هذه العبارة تختزن مفارقة مركبة: فالمرجعية الدينية لمريم العذراء، رمز الطهر والقداسة، تُستعار هنا لتكون فضاءً تحتضن فيه الشاعرة “تشرّدها الوجودي". وكأنها تبحث عن طهر جديد، ليس بالمعنى الأخلاقي أو الديني، بل بالمعنى الوجودي الخالص: ملجأ نقي في خضم التمزق الداخلي. هذه الصورة تعيد إنتاج مفهوم القداسة لا كحالة مثالية، بل كمساحة تسمح للإنسان بأن يوجد بكل هشاشته وتشظّيه، وهذا جوهر الحداثة الشعرية: تفكيك الرموز الكبرى وإعادة استخدامها من منظور شخصي، نسوي، ووجودي.
في المقطع التالي: "أنا التي أسنّت خنجر الموت / تحت ظلال أحلامي، / أبحث عن توبة خجولة لزلّاتي". تتقاطع فكرة الحلم مع فكرة الموت، في توليفة رمزية تشير إلى أن الشاعرة لا تحلم في فراغ أو في يوتوبيا، بل تحت ظلال التهديد، الخطر، أو حتى الرغبة في الفناء. استخدام "أسنّت" يوحي بالفعل الإرادي، المتعمد، وكأنها تعدّ سلاحها وهي تدرك تمامًا طبيعة ما تفعل. ومع ذلك، فإن هذه الحِدّة لا تلغي وجود حس توبة أو ندم، وإن جاء “خجولًا”، كما لو أن الذات موزعة بين العنف والاعتراف، بين الحافة والرحمة، وهذا التوتر هو ما يجعل القصيدة حيّة، نابضة، وغير مسطّحة.
العبارة التالية: "أنا التي أحبت احتمال الجرح / فوق احتمالي". هي مفتاح دلالي لفهم النص ككل. إن ثنائية "الاحتمال" و"الجرح" تشير إلى نوع من العلاقة السادية مع الألم، أو ربما رغبة عميقة في اختباره وتجاوزه. لكنها لا تتحدث عن الجرح كقدر، بل كاختيار، كاحتمال محبوب، حتى وإن تجاوز طاقتها. وهذا موقف فلسفي – شعري يعكس وعيًا معقّدًا بالوجود، حيث تكون الذات راغبة في مواجهة ما يفوقها، حتى وإن كان ذلك مؤلمًا. هنا تتجلى فكرة نيتشوية في التعالي على الذات، أو العيش على الحافة كنوع من النبل الداخلي.
ثم تأتي لحظة التأكيد على الهوية الأنثوية: "أنا امرأة / أمزج الآلام / بضحكاتي، وهمس بكائي." في هذه الجملة يبرز اشتغال الشاعرة على تفكيك الصور النمطية. فهي لا تفصل بين الضحك والبكاء، ولا بين الألم والأنوثة، بل تخلطها في صيغة واحدة تُعيد تعريف المرأة لا بوصفها ضحية، بل بوصفها كائنًا تركيبيًا يملك القدرة على خلق الجمال من التناقض، والقدرة على الصمود عبر هذا المزج الحسي العاطفي والوجودي. هناك هنا ما يشبه الغناء الداخلي، حيث يتحول الألم إلى نغمة، والبكاء إلى همس، لا إلى نواح أو صراخ.
وتنتهي القصيدة بصوتٍ يشبه الصدى: "أنا الإحساس المثقل بالخيبة، / أطفو مباركةً / كعفة شفتيك في مناداتي". في هذه النهاية، يتحول الإحساس بالخيبة – الذي قد يبدو سلبيًا – إلى طفو، إلى خفة مفارقة. "أطفو مباركةً"، عبارة تحتضن التناقض، فكيف يمكن للخيبة أن تبارَك؟ هنا تصل الشاعرة إلى قمة المفارقة الشعرية، حين يتحول الثقل إلى خفة، والمرارة إلى قداسة. التشبيه الأخير "كعفة شفتيك في مناداتي" ينقل النص من الوجودي إلى الحسي العاطفي، لكنه لا ينحدر إلى الرغبة، بل يكتفي بحدود العفة، تلك اللمسة التي لا تكتمل، لتظل مناداتها مفتوحة، مشحونة بالاحتمالات، تمامًا كما يوحي عنوان النص.
القصيدة بذلك تفتح مسارات متعددة للقراءة، تتقاطع فيها الأسئلة الوجودية مع الأسى الشخصي، وتحضر فيها الأنوثة لا كصورة جامدة، بل كقوة شعرية خالقة. نص كهذا لا يقدم إجابات، بل يكشف عن ذات تتشكل باستمرار، تقف في مفترق حاد بين الاحتمال والانكسار، لكنها تنجح في تحويل معاركها الداخلية إلى قصيدة.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي