أفكارٌ بسيطةٌ غيرَ مُلزمة لأحد ..( 69 )

زكريا كردي
2025 / 10 / 10

تدور هذه المرة ، حول الوجه الآخر للسياسة ..
في تقديري الشخصي ، السياسة ليست مجرد تنظيم للسلطة أو صراع خفي على تعزيزالمصالح وتوزيع الثروات و ..و ، بل هي مرآة تعكس أعماق الإنسان ، قلقه ، أمله ، وخوف ذاته من التلاشي ، في عالم غامض، واسع الأرجاء ، مترامي الاطراف والمصالح .. . ..
أنا أرى ، حين يتحدث الناس في السياسة ، ( بالذات في الشرق الانفعالي ) فإنهم - في الحقيقة - لا يُناقشون الوقائع فحسب ، بل يعرضون رؤاهم الخاصة عن العدالة والحرية والكرامة الانسانية ، ولهذا تجدهم يختلفون ، لأنهم يتصارعون بذواتهم المعرفية (الماضية والحاضرة ) ، حول المعاني والقيم لا حول أرض الواقع او الأرقام التي تُعطى لهم ...
بمعنى آخر ، أنا اعتقد بأن الاختلاف السياسي - في العالم بعامة، والشرق خاصة - هو اختلاف في عمق التجربة و نوعية القيم و كيفية فهم الوجود. ..
فمن عاش القمع ( الديني او الاجتماعي أو ..) يرى الحرية كأولوية ، ومن ذاق الفوضى وعدم الامان يُفضّل النظام ، حتى لو كان صارماً مستبداً بعض الشيء ...
وما يُعد خيانة في عين مواطن ، قد يُرى كنجاة في عين مواطن آخر..
وقد رأينا كيف وجد بعض الجهلة من دهماء الأمم ، أن قتل الاطفال وسبي واغتصاب النساء ، وحرق البيوت ، وخطف الشيوخ من قبل دواعش حماس في طوفان مجاري الاقصى ، ومن ثم تسببّهم في تدمير حاضرة غزة، وقتل و هلاك الالاف من شعبها البريء .. مقاومة رائعة ، بل وانتصار عظيم ...يستحق الاحتفال والسجود ، و توزيع الحلوى...
بمعنى أخر ، ان الرؤية السياسية للناس عموما ، ليست حيادية ، بل مشبعة بمستوى الوعي والتجارب الشخصية ، والسير الذاتية ، وكذلك بالهوية ، وبالذاكرة الجماعية التي تجعل كلّ رأي منا ، امتداداً للذات وتأكيدا أو تصويراً لها ..
ولهذا نجد عامة ، إن أيّ نقد سياسي أو ديني أو .. قد يُفهم كتهديد شخصي لأحدهم ، أو خيانة جماعية ، لأن المخالفة السياسية - في المجتمعات الفقيرة المُتخلفة (تقريباً في كل شيء ، أو التي تعاني من فيروس الاصوليات والتعصب الديني ) ليست تستطيع دائماً أن تكون نقاشاً سياسياً عقلانياً أو موضوعيا ، بل هي أيضاً مسرح للعاطفة و الانتماء الديني ، والايمان بقيم العصبيات المُتأخرة السائدة ...
وللاسف ، يزداد الأمر تعقيداً ، حين تصبح الحقيقة نفسها مشوشة ، وغير واضحة، بفعل ألاعيب الإعلام وضخ التحيّزات المدروسة ، فيرى كلٌ منا الواقع من زاويته الخاصة ، أي حسب ذكائه ومعلوماته وصقافته وخبراته و و ..
قصارى القول :
السياسة ليست صراعا على المصالح والسلطة فقط ، بل هي صراع على المعنى في هذه الحياة ، على فهمنا للقيم الإنسانية ، وسبل تطورها وإزدهارها. ..
والاختلاف فيها ليس عيباً أو نقصاً ، بل هو علامة على أن الإنسان لا يزال يمتلك فهماً عاماً ، ووجداناً حياً ، يُفكر ، يشعر ..
وذهناً نشطاً يبحث عن مكانه في عالم مثقل بالايديولوجيات المتصارعة، والمُتصدع بكثرة الانشقاقات والتناقضات بين البشر ...
ولعل الخطر الأسوأ ، و المعيب في هذا العصر ، هو وجود الأفهام التكفيرية الارهابية بيننا ، التي ماتزال تؤمن بالعنف والقهر سبيلاً لتحقيق اهدافها الغيبية الفاسدة ، و رؤاها السياسية المُجرمة،
والاسف الاشد ، انهم مازالوا كهمج الكهوف وصحارى الجهل، يعيشون بيننا ، ويجدون لهم أنصاراً من القطيع الساذج المُتناسل من غبار كتب تراثنا المقدس ..
الحمد لله على نعمة العقل ..

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر