أفكارٌ بسيطةٌ غيرَ مُلزمة لأحد ..( 68 )

زكريا كردي
2025 / 10 / 10

----------------------------
تدور هذه المرة عن فهمي لمزايا كلاً من : " المتعلم الجاهل والمتعلم الدجّال "
بوصفهما وجها التضليل الأبرز في ساحة الحوار المعرفي والمشهد الثقافي في الشرق ..
- في زمنٍ تتسارع فيه الإجابات أكثر من الأسئلة، وتُستبدل فيه الحقيقة بالانطباع، يبرز نمطان من المحاورين - في مختلف وسائل الاعلام - يُفسدان جوهر أيّ حوار وهما :
المُحاور " الجاهل " ، و المُناور " الدجّال " .
في تقديري ، رغم اختلافهما في نوعية وشكل الوسائل ، إلا أنّ كليهما يُعطّلان التفكير السوي ، ويُضلّلان المرء الساعي إلى الفهم الصحيح ، أو الراغب في الوصول إلى الحقيقة ، و لو نسبياً .
1 - مزيّة الجاهل في تصوري هي "عبادة الجواب الجاهز"،
فالجاهل ليس من يفتقر إلى المعرفة فحسب، بل من يظن أن امتلاك الجواب يغني عن فهم السؤال. يتسم هذا النمط من المحاور بـ:
- القفز المستمر إلى النتائج، دون تمحيص الأسباب أو مساءلتها.
- الاتكاء على الحلول الجاهزة، وكأنها وصفات لا تُراجع.
- الفخر والخيلاء بالأجوبة المُستظهرة، دون إدراك لسياقها أو عمقها.
- النفور من التعقيد وغموض التجريد ، وكأن كل سؤال يجب أن يُختزل في عبارة واحدة..
بالطبع مثل هذا المُحاور لا يُجيد الإصغاء، ولا يطيق التأمل ، بل يكتفي فقط، بما يحفظه ويُقدّسه ، من الموروث أو المنقول ، ويُجاهر به دائما كأنه انتصار خالد ، ويقين سائد ، بصلح لكل زمان ومكان ..
2 - أما عن مزيّة الدجّال فهي " هندسة التّعمية المُضلّلة "
لأن الوعي الدجّال - في تقديري - هو أكثر خطورة على الفهم والواقع .
وهو فهم مميز ، لا يجهل بعامة ، بل يعرف جيداً ، كيف يلوي عنق الحقيقة ويُضلّل لأسباب عديدة ( نفسية - نفعية - إيمانية ..)
بمعنى أنه فهم ذكي ، يتقن فنون المراوغة، ويُحسن استخدام أدوات الفكر - لا من اجل نمائه وتقدمه بل من أجل هدمه وتقويضه. و لعل من أبرز سماته:
- الركون إلى التفاصيل الثانوية ، لتشتيت الانتباه عن جوهر المسألة.
- المواربة المستمرة لأي نقطة نظام، وكأنّ الحوار لعبة مراوغة لا كشف عن الحقيقة وفهم الواقع.
- تفتيت الأسباب الواقعية، لتفكيك منطق الخصم وإضعاف حجته.
- اللجوء إلى نسبوية الحقيقة، ( كنت قد شرحت الفارق بين النسبية والنسبوية في مقال سابق ) ، بحجة احترام "الدوغمائيات المقدّسة، مما يشل العقل ، ويُغلق باب الدحض ويُحصّن الوهم..
باختصار : الدجّال هو فهم لا يبحث عن الحقيقة، بل عن الهيمنة على الخطاب من اجل تطويعه لمصالحه والاستفادة منه ..
حيث يُلبس التضليل ثوب الاحترام ، والخرافة ثوب العقل والواقع ، و كثيرا ما يُقدّس المُسلمات ليمنع مساءلتها أو الشك فيها.
قصارى القول :
في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل والدجل ، يوجد أزمة لديها ازمة حقيقية في الحوار..
فالجاهل يُضلّ عن غير قصد، والدجّال يُضلّل عن قصد.
الأول يحتاج إلى تعليم، والثاني إلى تفكيك.
وفي النهاية ، كلاهما يُسهم في تدهور سياق الحوار، ومن ثم تحويله من ساحة للفهم إلى حلبة للهيمنة أو الاستعراض...
ولذلك أنا ارى ، إن مقاومة مثل هذين النمطين من الافهام، لا تكون بالشكم واللكم او بالصراخ المُضاد ، بل بالاعتزال ، والاهتمام بمزيد من جهود التعليم ، وإحياء أدوات التفكير ، كـ تشجيع على السؤال، والتمحيص ، والنقد المنهجي، والجرأة على مساءلة وتفتيت سطوة المقدّس السائد ، الذي يُستخدم - عادةً في المجتمعات المتخلفة - كستارٍ أساسي للهرب من مواجهة حقائق العلم والحقيقة...
zakariakurdi

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر