الاعتقالات السياسية في عهد محمد السادس: أرقام قياسية في تكميم الأصوات الحرة

فريد بوكاس
2025 / 10 / 9

ألمانيا: فريد بوكاس ، صحفي باحث و ناشط سياسي مقيم بالمنفى


منذ توليه الحكم في عام 1999، رُوّج للملك محمد السادس على أنه "ملك الإصلاحات" و"العهد الجديد" الذي سيقود المغرب نحو الانفتاح والديمقراطية. غير أنّ الواقع السياسي خلال العقدين الماضيين يكشف مسارًا مغايرًا تمامًا، حيث شهدت البلاد موجات متتالية من الاعتقالات ذات الطابع السياسي، حطّمت كل الأرقام القياسية في تاريخ المغرب الحديث، وأعادت البلاد إلى مناخ الخوف والرقابة الذاتية.


في ظل شعارات الحداثة والتنمية، وجد مئات النشطاء والصحفيين والمدونين أنفسهم خلف القضبان بتهم وُصفت بأنها “قانونية”، لكنها في جوهرها سياسية بامتياز. من محاكمات الصحفيين المستقلين إلى ملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان وأعضاء حركات احتجاجية مثل حراك الريف وجرادة، صار القضاء المغربي أداة فعالة لإسكات المعارضين، بدل أن يكون حصنًا لحماية الحقوق والحريات.


وفقًا لتقارير منظمات دولية كـ هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، يستخدم النظام المغربي منظومةً من القوانين الفضفاضة لتجريم التعبير السلمي، خصوصًا ما يتعلق بـ“المس بالمقدسات” أو “تهديد الأمن الداخلي للدولة”. هذه التهم الجاهزة تمنح السلطات غطاءً قانونيًا لتصفية الحسابات مع الأصوات الحرة، في وقتٍ يتحدث فيه الإعلام الرسمي عن “التعددية” و“سيادة القانون”.


ترافق هذه الاعتقالات مع حملات تشهير ممنهجة ضد المعتقلين، تشارك فيها منصات إعلامية موالية للسلطة، تستهدف السمعة الشخصية أكثر مما تناقش المواقف السياسية. بذلك، يتحول السجن إلى عقوبة جسدية، والتشهير إلى عقوبة رمزية تهدف إلى قتل الروح المعنوية لأي معارض محتمل.


ما يثير القلق أكثر هو صمت المجتمع الدولي، خاصة شركاء المغرب الغربيين الذين يفضلون غضّ الطرف عن الانتهاكات في سبيل الحفاظ على مصالح اقتصادية وأمنية. فالمغرب يُقدَّم اليوم كنموذج "الاستقرار" في منطقة مضطربة، رغم أن هذا الاستقرار يُبنى على تكميم الأفواه وتضييق الخناق على الحريات الأساسية.


إنّ ما يجري في المغرب اليوم ليس مجرد أزمة حقوقية، بل تراجع شامل عن وعود الإصلاح السياسي التي صاحبت بداية الألفية الجديدة. فكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالمحاسبة والعدالة الاجتماعية، كلما اشتدت القبضة الأمنية واتسعت مساحة القمع.


وفي بلدٍ يطمح لأن يكون "بوابة إفريقيا إلى الديمقراطية"، فإن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط سمعة النظام، بل يُضعف الثقة في أي مشروع إصلاحي مستقبلي.


لقد آن الأوان للمجتمع الدولي — حكومات ومنظمات مدنية — أن يعيد النظر في تعامله مع الرباط، وأن يدعم بوضوح الحق في التعبير والمساءلة السياسية بدل الاكتفاء بخطابات المجاملة الدبلوماسية.


فالمغرب لا يحتاج إلى مزيد من الصمت الدولي، بل إلى تضامن حقيقي مع مواطنيه الذين يدفعون ثمنًا باهظًا لمجرد أنهم تجرأوا على الكلام.

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي