|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

كرم نعمة
2025 / 10 / 7
لم تكن مشكلة البشرية يومًا نقصًا في المعلومات. كنا نغرق بها، حتى قبل أن تُغرقنا الخوارزميات. واليوم يكاد يغرق العالم بتسونامي المعلومات، غوغل نفسه يعترف أن ما يتيحه من معلومات أكثر بكثير من حاجة وطاقة الإنسان المعاصر.
لكن الصحافة، تلك التي وُلدت لتقول الحقيقة، وجدت نفسها في مأزق وجودي. المشكلة لم تعد في الوصول إلى المعلومة، بل في القدرة على قولها.
الصحافي اليوم لا يواجه فقط الرقابة، بل يواجه السوق. والسوق لا يسأل: هل هذه الحقيقة؟ بل يسأل: هل هذه تُباع؟
في عصر التمويل، تحوّلت الصحافة إلى مشروع اقتصادي. الصحف الكبرى تتفاوض مع الحكومات، وتُراعي مصالح المعلنين، وتُعيد صياغة الحقائق بما يناسب من يدفع أكثر. لم تعد الحقيقة تُكتب بالحبر، بل تُوزن بالميزانية.
ذلك ما اكتشفه الصحافي الاستقصائي جورج مونبيوت وهو يحاول الاحتفال بطريقة ما على مرور اربعين عاما على أول دخول له في أروقة السلطة الرابعة. بأن الصحافي لايمكنه قول الحقيقة إذا كانت السلطة تتحكم في كلماته.
وكتب مونبيوت مؤلف كتاب "العقيدة الخفية: التاريخ السري لليبرالية الجديدة": السلطة هي الصخرة التي تنهار عليها الحقيقة. فلم يخسر أحدٌ ماله قط بإخبار المليارديرات بما يريدون سماعه. وسائل الإعلام الرئيسية، مع استثناءات قليلة، هي جماعة ضغط ذات قضية واحدة، هدفها هو الدفاع عن حقوق رأس المال!
كان آلان روسبيرديغر، رئيس تحرير الغارديان السابق، ورئيس تحرير مجلة "بروسبيكت" الحالي قد نبه إلى ذلك منذ سنوات في كتابه "كسر الأخبار" بأن "الصحافة لم تُكسر لأنها فقدت جمهورها، بل لأنها فقدت استقلالها. فحين يصبح الصحافي موظفًا في خدمة السلطة، يفقد قدرته على أن يكون شاهدًا على الحقيقة.
هذا هو جوهر المأزق: الصحافة التي تُموّل من الحكومات، لا تستطيع مساءلتها. والصحافة التي تُموّل من الشركات، لا تستطيع فضحها. والصحافة التي تُموّل من الجمهور، تُصارع للبقاء. بينما لاتتوقف الحكومات عن مسعى إذلالها ثم كسرها وإخضاعها.
في تحقيق نشرته صحيفة فايننشيال تايمز عام 2024، كُشف أن أكثر من 60 بالمائة من وسائل الإعلام في الشرق الأوسط تعتمد على تمويل حكومي مباشر أو غير مباشر. وهذا التمويل لا يأتي مجانًا. يأتي مشروطًا، ملوّنًا، ومُراقبًا.
في الولايات المتحدة، كتب ناشر نيويورك تايمز، إيه جي سولزبرجر، مقالًا نادرًا يحذّر فيه من أن تقويض حرية الصحافة في الديمقراطيات الغربية بات يشبه ما يحدث في الأنظمة الاستبدادية. قالها بوضوح: "لا يمكن حل هذه التحديات من قبل مؤسسة واحدة." ثم أضاف أن الصحافة الحرة أصبحت مهددة من قبل الحكومات التي تستخدم أدوات رقمية لتشويه سمعتها، ومن قبل شركات التكنولوجيا التي تتحكم في توزيعها، ومن قبل جمهور بات يشكك في كل شيء.
هكذا الصحافة لم تعد تسأل، بل تُعبّئ. لم تعد تبحث عن الحقيقة، بل عن التمويل. وهنا المفارقة: الصحافة تحتاج المال لتعيش، لكنها تموت حين يُقيّدها المال.
السلطة لا تقتل الصحافة، بل تُعيد تشكيلها. تمنحها مكافآت، وتُغلق أبوابها على من لا يوقّع على شروطها. تُشجع الصحافي على أن يكون مفسّرًا، لا ناقدًا. مُبررًا، لا كاشفًا.
في هذا السياق، يصبح الصحافي مجرد موظف في مؤسسة علاقات عامة. يُطلب منه أن يكتب، لا أن يشهد. أن يُجمّل، لا أن يُدين.
لكن هناك ما يُقاوم هذا الانحدار. شيءٌ ما يتحرك في الهامش. ليس في غرف التحرير، بل في ضمير القارئ.
ثورةٌ شعبيةٌ تتشكل ضد دعاية السلطة، ضد احتكار الحقيقة، ضد تحويل الصحافة إلى وظيفة بلا ضمير. الناس لا يثقون بالصحافة الرسمية، لأنهم يعرفون من يموّلها. ويعرفون أن من يدفع، يكتب.
في هذا المناخ، يعود السؤال القديم: هل يمكن للصحافي أن يقول الحقيقة للسلطة، إذا كانت السلطة تتحكم في كلماته؟ والجواب، رغم قسوته، لا يزال ممكنًا. لكنّه يتطلب شجاعة. يتطلب استقلالًا. يتطلب أن ينتصر القلم على محفظة النقود.
ربما لا نملك الإجابة بعد. لكننا نملك السؤال. ونملك الغضب. ونملك الأمل.
علينا كصحافيين أن نناضل ولا نحصر أنفسنا في فقاعات إيديولوجية وتجارية بذريعة لايوجد ما يمكن أن نفعله، لأن الصحافة التي تُختزل في خطاب السوق تفقد قدرتها على أن تكون ضميرًا حيًا. وحتى نصل إلى اليوم الذي ينتصر فيه القلم على محفظة النقود. حينها فقط، تستعيد الصحافة وظيفتها الأخلاقية: أن تكون صوتًا لا يُشترى، وشاهدًا لا يُسكت.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |