في بيت آل الجمال… الله وقبول الاختلاف.

قحطان الفرج الله
2025 / 10 / 5

قحطان الفرج الله / بغداد

قال تعالى:
﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ سورة الأعراف، آية 12.
الله جلّ في علاه علَّم البشر أوّل درس في قبول الاختلاف، فهو قبل الاختلاف في الرأي والوجهة مع مخلوقاته التي هي أقل منه شأناً، وأعطى المساحة لإثبات أحقية المختلف في الاستمرار في العيش إلى يوم يُبعثون. مساحة الاختلاف المهولة هذه تعطينا تصوّراً منطقياً لازدهار التنوع، الذي هو بحد ذاته ثراء لا صراع من أجل الهيمنة والقضاء على المختلف.
هذا مطلع أوّل الجلسة من ليالي القاهرة العظيمة، وفي منزل آل الجمال كان لنا لقاء مع واحد ممن يسعد الناس بصحبتهم؛ عقل ينير الفكرة، ويذكي الطرفة، ويعظّم التاريخ… إنه الأستاذ أحمد الجمال،لم يكن مجرد كاتب ساخر، بل كان روحاً نابضة بالكلمة، وضميراً يطلّ من بين السطور ليوقظ وعياً ويزرع ابتسامة. امتلك قدرة نادرة على أن يواجه القسوة بالمرح، وأن يفضح زيف السلطة بخفة ظل، فبدت مقالاته أشبه بمرآة تعكس الحقيقة وتلمّح إلى الجرح بابتسامة ساخرة. فهو العاشق لمصريته المتيم بعروبيته، مؤمناً بأن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل رسالة ومسؤولية، ولذلك كتب بصدق العاشق وجرأة المقاتل، حتى غدا صوته علامة فارقة في سماء الصحافة المصرية،نصوصه الكاشفة لأغرب مفارقات الحياة تمشي بيننا كنسمة ساخرة تداوي الوجع وتترك في القلب أثراً لا يُمحى. إنه الصحفي الحصيف والمثقف الرصين، الذي تجتمع في شخصيته أنوار المعرفة، وحرارة التصوف، ولهب التمرد؛ فالثلاثة في واحد. تحار من أيّها تقترب: فإن اقتربت من نور المعرفة تجده الهادر بكل تفاصيل الأمور وخبايا الأحوال، وهو يصطحبك إلى مكتبته الجميلة التي فاضت ووصلت إلى حديقة البيت. وإن طرقت باب التصوف لبس الخرقة وطاف معك بخياله المتصوف، وجال بك في رحاب الشعر والنغم والعشق المفعم بالكأس دون الشراب، وبالشراب دون الكأس؛ فهو طواف سرمدي شفاف، مردداً شعر التصوف والدراويش:
نسيم الوصل هبَّ على الندامى * فأسكرهم وما شربوا مُداما
ومالت منهم الأعطاف ميلاً *لأن قلوبهم مُلئت غراما
وناداهم: عبادي لا تناموا *ينال الوصلَ من هجر المنامـا
ينال الوصلَ من سهر الليالي * على الأقدام من لزم القياما
وما مقصودُهم جنّاتُ عدنٍ *ولا الحورُ الحسانُ ولا الخياما
سوى نظر الجليل فذا مُناهم * فيا بُشرى لهم قوماً كراما
جعل من منزله ذي الباب المفتوح ملاذاً لكل هائم، من الطيور والحيوانات عابرة السبيل، حتى إنك تجد قططاً من مختلف السلالات. فهو كما قال سيدنا الرفاعي: «من أحبّه الله ألفته القطط».
وإن جُلت معه في ميدان السياسة كان كالنار التي تحرق كل معتدٍ آفاق، وكل مارق أظهر غير ما أبطن. الثلاثة: النور والنار والحرارة، هي قراءة لتجليات التنوع لا الاختلاف، ولا يمكن فصلها عن بعضها؛ فإن انفصلت تغيّرت الكينونة.
وله تصوّرات وقراءات خطيرة لصليب المسيح؛ ففي هذه الخشبة الأسطورية قراءة لنقطة الاستواء، حيث يتجمع البشر في المنتصف، وفيها وسطية الاعتدال وقبول الناس ومقبولية البشر. وفي عمودها رفعة السماء وشموخ الرفض ولذّة قول “لا”. نقطة المركز في ذلك الصليب تقول لنا: إن الثلاثة في واحد ولا يمكن فصلها، فإن فُصلت فقدت الكينونة.
إنها قراءة ابن عربي للنور والجسم والظل: فكل ظل لا بد أن يكون خلفه جسم صدر عنه، وكل جسم أصدر ظلاً لا بد له من نور سقط عليه. فما نرى إلا الظل، وعلينا أن نكتشف الأجسام وكينونتها، والبحث عن مصدر نورها الذي أضاء. وهنا تظهر صورة الحلاج القتيل، الذي تعامد مع صليب المسيح، فبحث عن نوره في العمود القائم للصليب، فكان النور على رأسه ففقد ظله وتعامد معه، وأصبح الكل في واحد، حتى صرخ:
يا كلَّ كلي وكلَّ الكلّ ملتبسُ
وكلُّ كلكَ ملبوسٌ بمعنائي
يا من به علقت روحي فقد تلفت
وجداً فصرت رهيناً تحت أهوائي
أبكي على شجني من فرقتي وطني
طوعاً ويسعدني بالنوح أعدائي
أدنو فيبعدني خوف فيقلقني
شوق تمكن في مكنون أحشائي
أنا هو، وهو أنا، كلانا هو، والثلاثة في واحد.
وقال الحلاج أيضاً:
والله ما طلعت شمس ولا غربتْ
إلا وحبك مقرونٌ بأنفاسي
ولا جلستُ إلى قومٍ أُحدّثهم
إلا وأنت حديثي بين جلاسي
ولا ذكرتُك محزوناً ولا فرحاً
إلا وأنت بقلبي بين وسواسي
ولا هممتُ بشرب الماء من عطشٍ
إلا رأيتُ خيالاً منك في الكاسِ
ولو قدرتُ على الإتيان جئتُكمُ
سعياً على الوجه أو مشياً على الرأسِ
ويا فتى الحي إن غنّيتَ لي طرباً
فغنني آسفاً من قلبك القاسي
مالي وللناس كم يلحونني سفهاً
ديني لنفسي ودينُ الناس للناسِ.
جلسة الأستاذ العبقري أحمد الجمال وبرفقة النبيل د. محمد أحمد مرسي/ عميد كلية الإقتصاد والعلوم السياسية/ ملؤها التحدي للعقل، الذي يريد أن يرى الطريق. السلام على حماة العقول النيرة، وعلى مصرها التي نعشق.
هكذا هو عمنا أحمد الجمال؛ مثقف موسوعي، يجمع بين حدة العقل ورهافة الروح، بين جرأة الموقف وخفة الظل. علّمنا أن الاختلاف فضاءٌ رحب للتنوع، وأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون سلاحاً أبلغ من كل ضجيج. وفي حضرته لا تشعر أنك أمام صحفي فحسب، بل أمام مدرسة فكرية تمزج نور المعرفة بصفاء التصوف ولهيب التمرد.
ادام الله أحمد الجمال بيننا، يكتب ويضيء، يثير الأسئلة ويزرع البسمة، ويذكّرنا أن الصحافة رسالة وضمير، وأن السخرية الحقيقية ليست استهزاءً بالآخر، بل حكمة لاذعة تكشف زيف الأقنعة. وجوده بيننا شهادة على أن الكلمة الحية أطول عمراً من الصمت، وأن القلم إذا كان صادقاً فإنه يظلّ أبداً نبعاً لا ينضب

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي