|
|
غلق | | مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي | |
|
خيارات وادوات |

عماد حسب الرسول الطيب
2025 / 10 / 2
لا يمكن النظر إلى شعارات الإصلاح في السودان كأدوات محايدة للتغيير السياسي، فهي تمثل في جوهرها مأزقاً بنيوياً يعكس التناقضات الطبقية داخل المجتمع وعلاقته بالنظام الإمبريالي. تكشف القراءة الماركسية أن شعارات "السلام" و"الحياة" و"الانتقال" تشكل نظاماً أيديولوجياً متماسكاً لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية، حيث تتحول هذه الشعارات من مطالب جماهيرية إلى أدوات لتحويل الطاقة الثورية للجماهير من المسار الجذري إلى قنوات إصلاحية قابلة للإدارة [1].
فحين تُطرح شعارات مثل "السلام" و"الانتقال المدني" و"الحكم الرشيد"، فإنها لا تُقدَّم كنتاج لصراع شعبي من الأسفل، بل كجزء من حزمة إملاءات خارجية تتبناها البرجوازية الطفيلية لتجميل مشروع التبعية. يصبح الخطاب الإصلاحي بنية فوقية تحجب التناقض الأساسي بين العمل ورأس المال، بين المنتجين والفئات المستفيدة من إعادة إنتاج الاستغلال.
يُقدم شعار "السلام" في الخطاب السائد كغاية في ذاته، بينما هو في التحليل الماركسي آلية لإدارة الصراع الطبقي بوسائل أقل كلفة. ففي سياق دارفور، تحول "السلام" من مطلب جماهيري إلى سلعة سياسية تُتداول في أسواق النخبة، حيث تُفرغ الجذور الطبقية للصراع من مضمونها وتُختزل إلى مجرد أزمة "إدارة موارد" قابلة للتسويق في مؤتمرات المانحين [2].
أما شعار "الحياة" فيُختزل إلى مجرد بقاء بيولوجي، يُدار عبر صناعة المساعدات الإنسانية التي تحول الفقراء إلى كائنات مستهلكة للعون بدلاً من فاعلين في الإنتاج. و"الانتقال المدني" يُقدَّم كبديل للديكتاتورية العسكرية، لكنه يظل محصوراً في إطار دولة برجوازية مرتبطة بمصالح الرأسمال العالمي.
ويتجلى المأزق البنيوي في تعامل القوى السياسية مع هذه الشعارات. فمبادرة الحزب الشيوعي لوقف الحرب واستعادة مسار الثورة، رغم نواياها الوطنية، تتحرك ضمن الإطار المفاهيمي ذاته الذي صممته القوى الإمبريالية [3]. تدعو المبادرة إلى "وقف إطلاق النار" و"عودة إلى المسار الديمقراطي"، أي أنها تتعامل مع الثالوث الإصلاحي نفسه الذي تم تصميمه أساساً لاحتواء الثورة.
يكمن التناقض الأساسي في أن المبادرة، كغيرها من المبادرات "الوطنية"، تفتقر إلى الآلية الطبقية لتحقيق أهدافها. فهي تدعو إلى "وحدة القوى الوطنية" دون تمييز طبقي واضح، وإلى "إصلاح النظام" دون تحديد للعدو الطبقي الرئيسي [4]. هذا الغياب للتصور الطبقي الجذري يجعل المبادرة، موضوعياً، جزءاً من المشكلة التي تحاول حلها.
وفي هذا السياق، يتجلى المأزق البنيوي في أن هذه الشعارات تبدو في ظاهرها تقدمية، لكنها في الواقع تُفرغ الصراع من مضمونه الثوري. فالمجتمع الدولي لا يدعم "السلام" إلا بالقدر الذي يضمن تدفق الموارد إلى الأسواق العالمية، ولا يدعم "الانتقال" إلا بالقدر الذي يكرس التعددية الشكلية داخل بنية اقتصادية تابعة، ولا يموّل "الحكم الرشيد" إلا بما يضمن الشفافية في جباية الضرائب وتسديد الديون [5].
ويؤكد غرامشي أن "الأزمة تكمن في أن القديم يموت والجديد لا يستطيع أن يولد"، تتجلى هذه الأزمة في السودان بوضوح: فالشعارات الإصلاحية تحاول إنقاذ ما هو قديم عبر أقنعة جديدة، بينما يُخنق البديل الثوري تحت ثقل المؤسسات الدولية والبرجوازية المحلية [6]. فبدلاً من أن تكون الشعارات جسراً نحو التحرر، تحولت إلى آليات لإعادة إنتاج السيطرة الإمبريالية، حيث تندمج البرجوازية الطفيلية في هذا المشروع وتقدم نفسها كـ"شريك موثوق" في عملية الانتقال.
وتمتد جذور هذا المأزق إلى الطبيعة التابعة للبرجوازية السودانية، التي تفتقر إلى المشروع الوطني المستقل. هذه البرجوازية الطفيلية، بكل أجنحتها العسكرية والمدنية، تفضل التعاون مع الإمبريالية على خوض مواجهة طبقية حاسمة. ومن هنا يأتي عجزها عن قيادة تحرر حقيقي، وخوفها الدائم من تفجير الطاقات الثورية للجماهير.
ويتجلى الإطار العالمي لهذا المأزق في أن النظام الرأسمالي العالمي، في مرحلته الإمبريالية، لم يعد يسمح بتحرر حقيقي للشعوب. فكل محاولات التغيير يجب أن تمر عبر بواباته (الأمم المتحدة، المؤسسات المالية الدولية، المنظمات "الإنسانية")، وأن تلتزم بشروط لعبة مصممة أساساً للحفاظ على الهيمنة.
إن تجاوز هذا المأزق يتطلب إعادة ربط الشعارات بمضمونها الطبقي الحقيقي. فـ"السلام" لا يمكن أن يتحقق دون إنهاء هيمنة الرأسمالية الطفيلية على الأرض والثروات. و"الانتقال المدني" لا يكتسب معناه إلا إذا ارتبط ببناء مؤسسات ديمقراطية شعبية قائمة على الإنتاج الجماعي. أما "الحكم الرشيد"، فلا يمكن فصله عن سيادة الشعب على موارده وقطع التبعية لمؤسسات التمويل الإمبريالية.
ويقتضي الخروج من هذا المأزق البنيوي قطيعة جذرية مع منطق الإصلاح. فالثورة الحقيقية لا تعني تغيير الوجوه أو تعديل الدساتير، بل تحطيم جهاز الدولة البورجوازي وبناء سلطة جديدة للجماهير. والسلام الحقيقي لا يعني وقف إطلاق النار، بل إسقاط نظام الاستغلال بأكمله. والحياة الحقيقية لا تعني البقاء البيولوجي، بل الرفاه والكرامة والتحرر.
وبذلك يصبح البديل الثوري هو تحويل هذه الشعارات من أدوات تضليل إلى أدوات تحرر، عبر إدماجها في برنامج اشتراكي يضع العدالة الطبقية في المركز. فالمطلوب ليس هدم الشعارات بل تفكيك بنيتها الإمبريالية وإعادة صياغتها في أفق ثوري، حيث يتحول "السلام" إلى نزع جذور الحرب الطبقية، و"الانتقال" إلى سلطة شعبية ديمقراطية، و"الحكم الرشيد" إلى سيطرة المنتجين على وسائل الإنتاج.
"لا يمكن تحرير الإنسان دون تحرير المجتمع من الاستغلال"
روزا لوكسمبورغ.
النضال مستمر،،
--------------------------
المراجع:
[1] Gramsci, A. (1971). Selections from the Prison Notebooks. International Publishers.
[2]Poulantzas, N. (1978). State, Power, Socialism. Verso.
[3]Sudanese Communist Party. (2023). Initiative for Stopping the War and Restoring the Revolutionary Path.
[4]Lukács, G. (1971). History and Class Consciousness. MIT Press.
[5]Amin, S. (1976). Unequal Development: An Essay on the Social Formations of Peripheral Capitalism. Monthly Review Press.
[6]Wallerstein, I. (2004). World-Systems Analysis: An Introduction. Duke University Press.
|
تعليقات
حول الموضوع
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي المركز وإنما تعبر عن رأي أصحابها |
|
|
هل ترغب بالتعليق على الموضوع ؟ |