ومضة ضوء:في مصر ومكان آخر موقفان يُعيدان سؤال دور العسكر

محمد سعد خير الله
2025 / 10 / 2

بدأ الموسم الدراسي في مصر منذ نحو أسبوعين، وخلالهما اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي فيديوهات لضباط عسكريين يديرون طوابير الصباح في كثير من مدارس الأطفال والصبية في محافظات مصر المختلفة. يقوم هؤلاء العسكريون أثناء إدارة تلك الطوابير بترديد "الشعارات والعبارات الخشبية عن الوطن والانتماء والانضباط والوطنية"، وكأنهم يملكون الحقوق الحصرية في المنح والمنع وتحديد من هو الوطني ومن غير الوطني.

ولأن الأمر شديد العبثية، كان من المنطقي أن يدخل حيز المنافسة والمزايدة بعض مديري المدارس للفت الانتباه وتملق النظام العسكري السلطوي الحاكم، وكأنهم "من أهل الدار العسكري". بعضهم ذهب بعيدًا جدًا واعتلى قمة الترند في مصر و"ترند" تُطلق على من يتصدر مؤشرات البحث وعناوين الأخبار. فقد طلب هذا المسؤول، مدير إحدى المدارس في القليوبية، في طابور الصباح من الطلاب أن يرددوا تحية العلم بحماسة "حتى يصل صوتهم إلى تل أبيب". وفي الحقيقة، لا أعلم ما المشترك بين تحية العلم المصري وتل أبيب، فهذا الواقع المرعب في مصر يختلط فيه "العسكرة" بكراهية دولة تجمعنا بها معاهدة سلام منذ 46 عامًا، وُقعت في واشنطن العاصمة بالولايات المتحدة في 26 مارس 1979، في أعقاب اتفاقية كامب ديفيد لعام 1978، ووقّع عليها الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن، وشهدها رئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر.

إن ما يحدث في بلدي "مصر المبعد عنها" يستدعي أن أحكي عن واقعتين فارقتين حدثتا معي في السويد خلال تلك السنوات.

الواقعة الأولى:
حدثت في إحدى مدن شمال السويد. تلقى صديق خبرًا مفرحًا من إدارة الهجرة يتعلق بملف اللجوء الخاص بي، فقرر أن يعزمني وصديق آخر على الغداء في أحد مطاعم البيتزا على أطراف المدينة. عندما وصلنا، فوجئنا بأن أغلبية الرواد في ذلك الوقت كانوا من ضباط وضابطات الجيش السويدي، حتى امتلأ المطعم عن آخره. لاحظ بعضهم دهشتنا نحن الثلاثة، وأثناء طلب الطعام سألنا أحد العاملين عن المشهد، فأوضح أن المطعم بجوار أحد معسكرات الجيش ويبعد خطوات فقط، مشيرًا إلى الموقع.

تبددت دهشتنا سريعًا، واندمجنا في الحديث وتناول الطعام والشراب واحتساء زجاجات البيرة المشبَّرة. شيئًا فشيئًا تعالت أصوات الموسيقى وبدأ بعض الحاضرين بالرقص، وباختصار تحوّل المطعم إلى "لوحة من البهجة الرائعة التفاصيل".

وخلال ذلك، كان النادل يأتي إلينا بزجاجات بيرة ويقول إنها "تحية من أحد رواد المكان"، مشيرًا إلينا بابتسامة وترحيب. بعد أن قضينا وقتًا ممتعًا، طلب صديقنا الحساب، فأخبره المسؤول أن "الحساب مدفوع". حاول صديقي معرفة من الذي دفع، لكن الرجل رفض مطلقًا أن يشير إلى الضابط، وكان ذلك غريبًا جدًا بالنسبة للواقع الأوروبي، وبقي السؤال معلقًا… حتى جاءت الواقعة الثانية.

الواقعة الثانية:
قبل عدة أشهر، خرجت في الصباح الباكر جدًا لأستقل أول حافلة متجهة إلى محطة القطارات للسفر إلى إحدى المدن البعيدة. تفاجأت بوجود ضابط بالزي العسكري ينتظر الحافلة. اقترب مني وسلمني التحية السويدية المعتادة "Hej"، فأجبته كما جرت العادة. بعد ذلك بدأ حوارًا قصيرًا، واعتذر بلطف شديد عن "رؤيتي للزي العسكري في بداية يومي"، موضحًا أن ذلك حصل على غير إرادته بسبب ظروف طارئة، ومؤكدًا تفهمه لانزعاج المدنيين عند رؤية العسكريين في زيهم الرسمي.

كان اعتذاره كافيًا ليجيب عن السؤال الذي ظل معلقًا لأكثر من سبع سنوات منذ واقعة مطعم البيتزا: لماذا دفع أحد الضباط حسابنا يومها بصمت، مُصرًا على أن يبقى مجهولًا.

الخلاصة:
على مدار كل تلك السنوات، لم أرَ "العساكر" في طول السويد وعرضها إلا في هاتين الواقعتين، واللتين تحملان دلالات عميقة: في الدول الديمقراطية، يُدرك العسكري أنه ضيف عابر في الفضاء المدني، وأن احترام الناس يبدأ من إخفاء حضوره لا من فرضه.

إن ما يحدث في مصر يجعل من خروج من يؤمن بقيمة السلام من هذا المجتمع في حكم المستحيل ذاته، وتلك كارثة الكوارث.

في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر