رؤية الرئيس أحمد الشرع للمستقبل السوري

فارس إيغو
2025 / 10 / 1

كتابات كثيرة من قبل المختصين في السياسة (صحفية وفكرية) تحاول منذ أشهر سبر طبيعة النظام الجديد في سورية، على أثر الانتصار الكبير الذي حققته عملية ردع العدوان على النظام المجرم السابق، وكذلك حول مدى قدرة الرئيس الشرع والفريق الصغير المحيط به عن كسر الخطوط الحمر للإسلام السياسي. وهذا الاهتمام المتزايد في معرفة الطبيعة القادمة للنظام في سورية احتدمت كثيراً بعد التصريحات التي تسربت بعد لقاء الرئيس أحمد الشرع مع ثلة لامعة من الإعلاميين العرب.
دعونا أولاً نناقش العبارة التي أثارت الجدل، والتي أدلى بها الرئيس الشرع في هذا اللقاء الذي جرى منذ أكثر من أسبوع. يقول الرئيس الشرع عن هويته السياسية: ((أنا لست امتداداً للإخوان المسلمين، ولا للجهاديين، ولا للربيع العربي، وأن الأيديولوجيات الإسلامية والقومية قد فشلت)).
لقد أثارت هذه العبارة كثير من ردود الأفعال المتناقضة، وزادت الغموض حول طبيعة النظام القادم في سورية. فقد أصر البعض على أنْ لا قطيعة بين الحكم الجديد مع الإسلام السياسي، بينما فسر الكثيرون هذه العبارة على أنها تشكل قطيعة مع الإسلام السياسي، في وقت كان الشرعيون يسيطرون على مفاصل كثيرة من مؤسسات الدولة السورية، وكذلك المجال العام في سورية، منذ التحرير في الثامن من ديسمبر 2024، وأيضاً سيطرة هيئة تحرير الشام وحلفاءها بصورة كلية على القوات العسكرية والأمنية السورية، بالإضافة إلى الوزارات السيادية في الحكومة الانتقالية، وأن هناك عناصر من هؤلاء المنضمين إلى الجيش الجديد وجهاز الأمن والشرطة ما زالوا يحملون الفكر السلفي الجهادي، وأن دورات التأهيل للمنتسبين الجدد تخضع لمعايير دقيقة يرسمها شرعيون من الهيئة، سواء أكانت دورات تثقيفية شرعية أو شعارات ذات طابع ديني.
إذا افترضنا بالفعل أنّ هناك قطيعة ما في هذا التصريح، فهي ليست مع الإسلام السياسي السني، بل مع فصيل واحد فيه هو جماعة الإخوان المسلمين، وهي محاولة ذكية من الرئيس الشرع للابتعاد عن التجارب الفاشلة للإخوان في مصر وتونس وليبيا والسودان وسورية وغيرها من البلدان العربية والإسلامية، أما بالنسبة للجماعات الجهادية، فلقد أعلنت الهيئة القطيعة مع القاعدة والجهادية العالمية منذ سنوات، بينما الابتعاد عن الربيع العربي، فهو قد يفاجئ البعض، ولكنه لن يفاجئ المتابعين لخطابات وأفعال الهيئة على الأرض، فالشرع والمحيطين به لا يميلون إلى رياح الربيع العربي الديموقراطية، بل كل خطواتهم السياسية منذ عدة أشهر تميل إلى فرض حكم الفرد في دولة ذات مرجعية إسلامية، مع هوامش من الحريات السياسية والإعلامية، والأداة الوحيدة لتحقيق استقرار الحكم وضمان استمرار إعادة انتاجه ـ حتى بالانتخابات الحرة ـ هو النجاحات في الاستثمار في الاقتصاد الحر وجعل سورية محطة أساسية للتبادل التجاري الحر مع العالم تقارن بإمارة دبي، والقدرة على توزيع فائض القيمة على الطبقات المحرومة، وهذا يذكرنا بتجربة العدالة والتنمية، والتجربة الأردوغانية في تركيا منذ ربع قرن التي اعتمدت على تخفيف القيود على الرأسمالية الصناعية والتجارية، والاستثمار الكثيف في البنية التحتية (على حساب زيادة مديونية الدولة والتضخم المالي وعجز الموازنة) لامتصاص البطالة وتعزيز الاستهلاك، أي الاعتماد على سياسات مشتركة للعرض، عرض السلع (أي تخفيف القيود على المنتجين لتعزيز الإنتاج الداخلي)، وسياسات الطلب على السلع (تعزيز الأجور، وخفض البطالة، وسياسات اجتماعية تتوجه نحو الشرائح الضعيفة من المجتمع.
إنّ أشكال التحوّل للحركات الإسلامية للتكيف مع الأوضاع الجديدة التي نشأت بعد ثورات الربيع العربي كثيرة، وأكثرها جذرية هو مفهوم ما بعد الإسلاموية التي ما زالت في حدود الكتابات النظرية ولم تتحقق في التجارب العملية؛ وأما الانتقال من الجماعة الدينية إلى الحزب السياسي بفصله عن الدعوة الدينية، فقد شهدنا أمثلة لها في تونس مع حركة النهضة، وفي مصر مع جماعة الإخوان المسلمين التي شكلت حزب الحرية والعدالة، وفي المغرب مع حزب العدالة والتنمية المغربي؛ وأما الشكل الثالث من التحول فهو مع حزب العدالة والتنمية التركي، حيث اتبع هذا الحزب أسلوب التقية في المرحلة الأولى من توليه السلطة في قبوله بعلمانية الدولة التركية، والتعاون مع المؤسسة العسكرية القوية، والحفاظ على الديموقراطية البرلمانية، والنظرة الاقتصادية النيوليبرالية، والتي أدت إلى توسيع قاعدة حزب العدالة والتنمية باتجاه البرجوازية الصناعية والتجارية التركية. وفي المرحلة الثانية، مرحلة التمكين، بدأ بإضعاف العلمانية وإقصاء واسع للعلمانيين من المؤسسات التي كانت تحميها (أي مؤسسة الجيش والقضاء والتعليم)، والتضييق على المعارضة التي يمكن أن تقترب من السلطة، وسجن المعارضين الديموقراطيين الأكراد، مع التحوّل لنظام جمهوري سلطوي ذو توجه إسلامي واضح، مع ديموقراطية صندوق الاقتراع التي يتم توجيهها عن طريق وسائل الإعلام الحكومية، واللجوء الدائم في الخطب السياسية إلى النصوص الإسلامية للتأثير على الجمهور المتدين.

ويبدو أنّ الشكل الذي تميل إليه سلطة الرئيس الشرع في سورية هو الاتجاه نحو التأثر بالنموذج التركي في مرحلته الثانية أكثر من التأثر بالنموذج الخليجي، ومن هنا يمكن فهم مهلة الخمس السنوات الانتقالية في محاولة كسب الوقت اللازم لتشكيل الكوادر الضرورية لتسيير عمل مؤسسات الدولة الجديدة من أعضاء الهيئة ومن المؤيدين لها من الإسلاميين أو المحافظين. هكذا تكون السلطة قادرة على إعادة انتاج ذاتها حتى عن طريق الانتخابات الحرة، وباستخدام الإعلام الحكومي، والمؤثرين المؤيدين في مواقع التواصل الاجتماعي، والخطابات الدينية، والنجاحات المأمولة في تقويم واستنهاض الاقتصاد السوري المُدمر.

يقول الرئيس أحمد الشرع خلال حواره مع الإعلاميين العرب عن رؤيته المستقبلية لحل للأزمة اللبنانية: ((إن لبنان محتاج لأن يخرج من منطق وحالة المنازعات السياسية. إنّ محاولة علاج الحالة السياسية في لبنان كما هي موجودة اليوم خاطئة، لأن الذهاب للحلول السياسية (مباشرة)، طريق صعب ومعقد، بسبب الأدلجة (أي حالة الاستقطاب بين حزب الله ومؤيديه والأطراف الأخرى) والماضي الصعب (الحرب الأهلية) والتدخلات الدولية الكثيرة؛ وأحياناً يفرض على لبنان حلول هو غير قادر على تحملها (نزع سلاح حزب الله كشرط أولي لخروج القوات الإسرائليلية من الجنوب اللبناني)، وبالتالي، فإنّ ما يحتاجه لبنان هو علاجات اقتصادية تحقق الاستقرار الأمني والمعيشي، مما سينعكس بشكل أو بآخر على الحالة السياسية إيجابياً؛ هذا هو تصوري لحل الأزمة اللبنانية)).
والآن، لنستبدل كلمتي لبنان واللبنانيين، بكلمتي سورية والسوريين، هكذا سنحصل على رؤية الرئيس أحمد الشرع التنموية لسورية الجديدة: ((إن سورية تحتاج لأن تخرج من منطق وحالة المنازعات السياسية. إنّ محاولة علاج الحالة السياسية في سورية كما هي موجودة خاطئة، لأن الذهاب للحلول السياسية (مباشرة)، طريق صعب ومعقد، بسبب الأدلجة والماضي الصعب والتدخلات الدولية الكثيرة؛ وأحياناً يفرض على سورية حلول هو غير قادرة على تحملها (أي التطبيع مع إسرائيل، أو على الأقل توقيع اتفاق أمني يحقق لإسرائيل شروط هيمنتها العسكرية على محافظات الجنوب السوري، أو تحقيق الشروط الديموقراطية كما هي في المجتمعات الحديثة في الغرب)، وبالتالي، فإنّ ما تحتاجه سورية هو علاجات اقتصادية تحقق الاستقرار الأمني والمعيشي، مما سينعكس بشكل أو بآخر على الحالة السياسية إيجابياً؛ هذا هو تصوري لحل الأزمة السورية)).
(الشروحات بين قوسين هي توضيحات من صاحب المقال).
ماذا يمكن استنتاجه من هذا التصريح المقتضب، ولكن المعبّر عن رؤية الرئيس أحمد الشرع للمستقبل السوري. أولاً، أنّ الرئيس الشرع لا يؤمن باللجوء للحلول السياسية للحالة السورية، وقد عبر مستشاره الإعلامي أحمد موفق زيدان عن ذلك بوضوح في مقالته الشهيرة (موقع الجزيرة، تاريخ 22/08/2025)، وكلك في تصريحاته الإعلامية الأخيرة، بل تكمن الحلول في الوقوف صفاً واحداً خلف قيادة الرئيس الشرع، لوضع الاقتصاد الحر والليبرالي كقاطرة أولى ووحيدة للتنمية (ولا أقول للنهضة، كون النهضة مصطلح حضاري أوسع وأشمل من مصطلح التنمية)، وأنّ نجاح سورية اقتصادياً وتجارياً سيهمش العربات الأخرى، بمعنى آخر، أن نجاحات سورية في الاقتصاد الحر والتجارة الحرة، سوف يهمش المطالبات الديموقراطية والفيدرالية في الداخل. وهذا يذكرنا بما صرح به وزير الخارجية أسعد الشيباني في مؤتمر دافوس حول جاذبية النموذج السنغافوري والكوري الجنوبي، وأقول أكثر من ذلك، حول جاذبية النموذج الصيني الذي يقوم على سلطة قوية تقود عمليات التنمية من الخارج، وتضع جانباً كل المطالبات المجتمعية بالديموقراطية.
لقد انتشرت مثل هذه الرؤى الاقتصادية للتنمية في الستينيات من القرن المنصرم، وهي تقول بأن التنمية لا تتحقق إلا بوصول سلطة قوية إلى سدة الحكم. فهذه هي السلطة التي يمكن أن تكون مؤهلة لخوض معارك التنمية، تؤازرها قوة الجمهور المؤيد لها (وهنا الجمهور السني)، مما يمكنها من القدرة على أن تعبئ طاقات المجتمع، في مشروع كبير وواسع للتنمية، وهذا المشروع يتطلب توجهاً مركزياً لإدارة البلد وتوجيه الاستثمارات، وتعبئة كل طاقات المجتمع بكفاءة، وتوجيهها لتحقيق الغاية الأساسية، والوحيدة، أي التنمية.
أما الديمقراطية بالنسبة لمجتمع مُدمر بفعل سلطة غير وطنية نهابة استولت على البلد مدة تزيد عن ستة عقود وعاثت فيها فساداً ونهباً، فإنها بما تعني من انتخابات نيابية وبرلمان، تعرقل عملية التنمية، وتحول دون السير بها، و تطوير المجتمع، والتطبيق السريع للخطط الإصلاحية في الميادين الإقتصادية والاجتماعية، وإنه خير من ممارسة شكليات الديمقراطية، أن تتولى السلطة حكومة قوية مُؤمنة بتنمية المجتمع وهذا هو الأهم.
ينظر العديد من المفكرين بأن انتعاش الاقتصاد الحر يؤدي إلى تزايد انتماء الناس نحو مصالحهم الخاصة، وبالتالي، هذا يخفف كثيراً من حدة الانتماءات الدينية والمذهبية والعرقية، وحتى تهذيب الأخلاق حسب الفيلسوف الفرنسي صاحب الكتاب الشهير روح القوانين ، وفي المقابل يزداد انتماء الناس نحو الوطنية.
يصبح الإزعاج الأساسي في هذه الرؤية الاقتصادية التكنوقراطية كأداة وحيدة للخروج من المستنقع السوري مطالبات الأقليات السياسية والطائفية (أي المكونات) بالديموقراطية والمشاركة السياسية الفاعلة والفيدرالية والحكم الذاتي، فهي تؤخر الرؤية التي تقوم على جعل الرأسمال المحلي والخارجي يقوم بمشاريعه الكبرى بحرية، ما يخلق فرص العمل لجميع العاطلين، ويرفع من مستوى الأجور، والمستوى المعيشي للسوريين. لذلك، نحن في سباق متسارع لتحقيق أي إنجاز فعلي على الأرض لجعل هذه المطالبات فاقدة لأساسها الشعبي والمجتمعي الذي يبحث عن الرفاه والعيش المادي بكرامة. ولكن هل يمكن بالفعل للتنمية الاقتصادية مع الخلفية الإسلامية الواضحة للسلطة أن تقلع بقوة من دون النهضة السياسية والاجتماعية والثقافية؟

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي