سألني ما معنى (الطوباوية)!!؟؟

سليم نصر الرقعي
2025 / 9 / 28

أحيانًا أصف ما جاء في الكتاب الأخضر من أفكار سياسية واقتصادية وبعض ما جاء في الركن الإجتماعي وما حاول فرضه القذافي بالقوة والارهاب على الليبيين والدولة الليبية من مثل هذه الأفكار الايديولوجية المأخوذة عن الفكر الغربي والشرقي الشيوعي والفوضوي بأنها أفكار ((طوباوية)) ومشروع ((نظام طوباوي))، وأذكرها من باب الذم لا من باب المدح ولهذا سألني أحد المعلقين في صفحتي في فيسبوك مستفسرًا فقال: ((ماهو معنى الطوباوية)!!؟؟
فكان جوابي:
الطوباوية تعني السعي وراء تحقيق وتطبيق المثل العليا مثل العدالة والمساواة بين البشر والفضيلة والطهر الأخلاقي بصورتها المثالية الكاملة في أرض الواقع كنظام اجتماعي وسياسي واقتصادي للدولة!!، وهذه الأفكار هي نتيجة تحليق العقل بأجنحة الخيال في عالم المثال الكامل والفريد!! وهو شيء جيد من الناحية الأدبية الخيالية والرومانسية! لكن محاولة تطبيق هذا المثال في واقع البشر بقوة الدولة!!، وتجاهل فطرة وطبيعة الإنسان وقوانين الواقع البشري وحاجة هذا الواقع البشري الطبيعي إلى حلول إصلاحية تهذيبية وتقنينية عقلانية واقعية عملية تناسب طبيعة البشر لا شك هو أمر خطير للغاية!!!!...
وكلمة (طوباوية) تعني بشكل خاص وجود ((رؤية هندسية شمولية ومثالية للمجتمع تتعامل مع الأفراد كما لو أنهم مجموعة طوب في بناء يمكن للدولة والسلطة أن تبنيه بطريقة هندسية صارمة كما تبني بيتًا حسب خريطتها الهندسية بكل صرامة ودقة متناسية أن البشر/ الأفراد ليسوا قطع من الحجر والطوب بل هم بشر وأفراد يتمتعون بفطرتهم بحب الحرية الفكرية والعملية والخصوصية والإستقلالية!!))، فمشكلة المشروعات الطوباوية هي أنها تتعامل مع البشر كأرقام وقطع من الحجر يمكن بناء مجتمع فاضل منهم بقوة الهندسة الحكومية وتحويلها إلى مجتمعات كاملة وعادلة مثل المدن الفاضلة!!، مجتمعات بهندسة شمولية صارمة ذات نظم عادلة وكاملة تتضمن تحقيق العدالة بصورتها التامة والمساواة بين البشر بطريقة كاملة!! أي مثل الوصول إلى مجتمع شيوعي يتساوى فيه الناس في كل شيء حيث يعمل المواطن بكل قوته وحسب طاقته ويأخذ فقط من الناتج النهائي الجماعي حسب حاجته وليس حسب انتاجه!!، أو تحقيق سلطة الشعب المباشرة والكاملة حيث يحكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه بشكل مباشر وكامل كما هو في نظرية الديمقراطية عند بعض الفلاسفة الأغريق قبل 700 قبل الميلاد وكما عند أكبر فيلسوف ومنظر لفكرة (سلطة الشعب) وهو ((جان جاك روسو)) في كتابه العقد الإجتماعي في القرن السابع عشر الذي مع كل تنظيره لصالح نظرية سلطة الشعب وسيادة الشعب الكاملة والمطلقة ورفضه لمبدأ الفصل بين السلطات قال في نهاية تنظيره لسلطة الشعب ((وهذا النوع من الحكم الشعبي المباشر مع أنه هو الشكل الوحيد للديمقراطية الحقيقية إلا أنه من الكمال ما يجعل تطبيقه يحتاج في الواقع إلى شعب من الآلهة!!)) هكذا اختتم (جان جاك رسو) نظريته عن سلطة الشعب المباشرة والمطلقة!! وهو ما اقتبسه كاتب الكتاب الأخضر بتصرف فقال: (( هذا من الناحية النظرية أما من الناحية الواقعية فالأقوياء هم من يحكم دائمًا)) هذا ما اختتم كاتب الكتاب الأخضر الفصل الأول (سلطة الشعب) وهذا يعني أنها مجرد (نظرية مثالية طوباوية غير واقعية!) ويبقى السؤال هنا : إذن لماذا طبقها بقوة الدولة والبوليس والارهاب واللجان الثورية الارهابية التي تجبر الناس على حضور جلسات المؤتمرات الشعبية وتجرهم بالسلاسل حتى يتعودوا على الحضور !! وهو ما ذكره القذافي نفسه كتوجيه للجان الثورية التي كانت ذراعه السياسية والارهابية لنشر الخوف في المجتمع وفرض ما يريده القايد بل وتصفية كل من يعارضه في الداخل والخارج بلا رحمة ولا محاكمة!!؟؟
وكلمة (الطوباوية) تعريب لكلمة (يوتوبيا) وهو مصطلح يعود إلى كتاب "اليوتوبيا" أو (اليوطوبيا) للمفكر والمحامي والسياسي البريطاني ((توماس مور)) في القرن السادس عشر، وهو قديس حسب الكنيسة الرومانية الكاثوليكية خصوصًا وأنه تم اعدامه بقطع رأسه بسبب موقفه الكاثوليكي الرافض لطلاق الملك (هنري الثامن) وهو أمر ممنوع وفق الديانة الكاثوليكية وكذلك رفضه أن يكون (هنري) رئيسًا للكنيسة الإنجليزية!!.


إذن فالطوباوية هي طريقة في التفكير المثالي المقولب المتطرف في الهندسة الإجتماعية ذات النزعة المثالية الكمالية، تنتج عنها ايديولوجيات ومشروعات وأنظمة سياسية متطرفة (غير قابلة للتطبيق والتحقيق الفعلي) و(عديمة الكفاءة والفاعلية) مثل الشيوعية والفوضوية (الأناركية) ومثل (المجتمع الجماهيري الاشتراكي النموذجي الفريد، الحر السعيد!!؟؟))، ومثل (الدولة الدينية المثالية الفاضلة التي يتحول فيها سكانها إلى ما يشبه مجتمع الملائكة والمتقين الأطهار !!)) ... الخ .... فهي مشروعات وإيديولوجيات سياسية ترفع شعارات جميلة ونبيلة ولكنها لا تصلح للتطبيق الفعلي في العالم البشري الذي يحتاج لحلول عقلانية واقعية عملية تراعي طبيعة البشر ومشروعية غرائزهم وطموحاتهم الفطرية، وحدود طاقاتهم وطبيعة المجتمعات وقوانين الواقع الحقيقي للبشر وحدود القدرة والفطرة الإنسانية، وهذه الأفكار (الطوباوية) تبقى في حد ذاتها أفكارًا مثالية جميلة ونبيلة وشاعرية ورومانسية ملهمة مادام يتم طرحها كنظريات خيالية مثالية شاعرية ترسم صورة كاملة للحياة الفاضلة والعادلة للبشر في الدنيا ،وتحث القلوب للتطلع للمثل العليا من أجل احداث توازن بين غرائزهم الحيوانية والأنانية والآنية وبين المثل الأخلاقية الإنسانية الفاضلة والكاملة، لكن الخطورة، كل الخطورة، عندما يحاول البعض تطبيقها في الواقع البشري بالفعل بل وبقوة الدولة والسلطة السياسية والبوليسية !! فالنتيجة تكون دائمًا معاكسة تمامًا للقيم الأخلاقية التي قامت عليها تلك النظريات الطوباوية، بل تكون كارثية للغاية ومدمرة للإنسان والمجتمعات، وتؤدي إلى شيوع الظلم بدلًا من العدل، وشيوع النفاق بدلًا من الصدق، والفساد بدلًا من الصلاح، والتخلف بدلًا من التقدم، والضعف بدلًا من القوة!!... انظر م تسببت فيه أفكار الكتاب الأخضر لليبيا عند فرض القذافي تطبيقها على ليبيا بقوة الدولة واللجان الثورية التصفوية الإرهابية !؟؟... بل هذا ما أثبتته تجارب كبيرة وكثيرة ومريرة!! فهي أثبتت بالنهاية أن أصحاب هذه الأفكار الخيالية والمشروعات الإيديولوجية المثالية غير الواقعية إذا فرضوها بقوة الدولة والسلطة قادوا بلدانهم إلى كوارث مروعة وجرائم بشعة، وعندها سينطبق عليه المثل الشعبي الذي يقول : ((جاء يبغي يكحلها عماها !!))... أما إذا ظلت هذه الأفكار الطوباوية الرومانسية الحالمة كنظريات وأحلام انسانية مثالية شاعرية في الكتب تلهم البشر وتثير شوقهم للوصول إلى أكبر قدر من العدالة والفضيلة والسلام والطهارة، فهذا شيء جيد ومفيد لكن إذا حاول البعض تطبيقها، وخصوصًا إذا استخدم قوة الدولة، فالنتيجة هي حمامات دم وفساد عميق وكبير وتشوهات اجتماعية وأخلاقية عميقة يصعب معالجتها!!"

حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجر
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امي